لَهُنَّ فِي حُكْمِ اللهِ تَعَالَى، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا ذَاهِبًا مَعِي إِلَى وَهَنِ هَذَا الْقَوْلِ وَهُزَالِهِ، وَتَكْرِيمِ أُولَئِكَ الصَّالِحَاتِ بِشَهَادَةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ حِفْظُهُنَّ لِذَلِكَ الْغَيْبِ مِنْ يَدٍ تَلْمَسُ، أَوْ عَيْنٍ تُبْصِرُ، أَوْ أُذُنٍ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، مُعَلَّلًا بِدَرَاهِمَ قُبِضْنَ، وَلُقَيْمَاتٍ يُرْتَقَبْنَ، وَلَعَلَّكَ بَعْدَ أَنْ تَمُجَّ هَذَا الْقَوْلَ يَقْبَلُ ذَوْقُكَ مَا قَبِلَهُ ذَوْقِي وَهُوَ أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ: بِمَا حَفِظَ اللهُ هِيَ صِنْوُ " بَاءِ " " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ "، وَأَنَّ الْمَعْنَى حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِحِفْظِ اللهِ أَيْ: بِالْحِفْظِ الَّذِي يُؤْتِيهِنَّ اللهُ إِيَّاهُ بِصَلَاحِهِنَّ ; فَإِنَّ الصَّالِحَةَ يَكُونُ لَهَا مِنْ مُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَقْوَاهُ مَا يَجْعَلُهَا مَحْفُوظَةً مِنَ الْخِيَانَةِ، قَوِيَّةً عَلَى حِفْظِ الْأَمَانَةِ، أَوْ حَافِظَاتٌ لَهُ بِسَبَبِ أَمْرِ اللهِ بِحِفْظِهِ، فَهُنَّ يُطِعْنَهُ وَيَعْصِينَ الْهَوَى، فَعَسَى أَنْ يَصِلَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى نِسَاءِ عَصْرِنَا اللَّوَاتِي يَتَفَكَّهْنَ بِإِفْشَاءِ أَسْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَا يَحْفَظْنَ الْغَيْبَ فِيهَا.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ هَذَا الْقِسْمَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ شَيْءٌ مِنْ سُلْطَانِ التَّأْدِيبِ، وَإِنَّمَا سُلْطَانُهُمْ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي الَّذِي بَيَّنَهُ، وَبَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ
عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ النُّشُوزُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الِارْتِفَاعِ، فَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَخْرُجُ عَنْ حُقُوقِ الرَّجُلِ قَدْ تَرَفَّعَتْ عَلَيْهِ وَحَاوَلَتْ أَنْ تَكُونَ فَوْقَ رَئِيسِهَا، بَلْ تَرَفَّعَتْ أَيْضًا عَنْ طَبِيعَتِهَا، وَمَا يَقْتَضِيهِ نِظَامُ الْفِطْرَةِ فِي التَّعَامُلِ، فَتَكُونُ كَالنَّاشِزِ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي خَرَجَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمْ خَوْفَ النُّشُوزِ بِتَوَقُّعِهِ فَقَطْ، وَبَعْضُهُمْ بِالْعِلْمِ بِهِ، وَلَكِنْ يُقَالُ: لِمَ تَرَكَ لَفْظَ الْعِلْمِ، وَاسْتَبْدَلَ بِهِ لَفْظَ الْخَوْفِ؟ أَوْ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وَاللَّاتِي يَنْشُزْنَ؟ لَا جَرَمَ أَنَّ فِي تَعْبِيرِ الْقُرْآنِ حِكْمَةً لَطِيفَةً، وَهِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ الْمَعِيشَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَعِيشَةَ مَحَبَّةٍ وَمَوَدَّةٍ وَتَرَاضٍ وَالْتِئَامٍ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُسْنِدَ النُّشُوزَ إِلَى النِّسَاءِ إِسْنَادًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقَعَ مِنْهُنَّ فِعْلًا، بَلْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ تُومِئُ إِلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَلَّا يَقَعَ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ الْأَصْلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ نِظَامُ الْفِطْرَةِ، وَتَطِيبُ بِهِ الْمَعِيشَةُ، فَفِي هَذَا التَّعْبِيرِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ إِلَى مَكَانَةِ الْمَرْأَةِ، وَمَا هُوَ الْأَوْلَى فِي شَأْنِهَا، وَإِلَى مَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ السِّيَاسَةِ لَهَا وَحُسْنِ التَّلَطُّفِ فِي مُعَامَلَتِهَا، حَتَّى إِذَا آنَسَ مِنْهَا مَا يَخْشَى أَنْ يُؤَوَّلَ إِلَى التَّرَفُّعِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فَعَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَبْدَأَ بِالْوَعْظِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهَا، وَالْوَعْظُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَرْأَةِ، فَمِنْهُنَّ مَنْ يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهَا التَّخْوِيفُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِقَابِهِ عَلَى النُّشُوزِ، وَمِنْهُنَّ مَنْ يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهَا التَّهْدِيدُ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا، كَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَالْمَنْعِ مِنْ بَعْضِ الرَّغَائِبِ كَالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ وَالْحُلِيِّ، وَالرَّجُلُ الْعَاقِلُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْوَعْظُ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي قَلْبِ أَمْرَأَتِهِ، وَأَمَّا الْهَجْرُ: فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ التَّأْدِيبِ لِمَنْ تُحِبُّ زَوْجَهَا وَيَشُقُّ عَلَيْهَا هَجْرُهُ إِيَّاهَا، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَمِنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَنْشُزُ لَا تُبَالِي بِهَجْرِ زَوْجِهَا بِمَعْنَى إِعْرَاضِهِ عَنْهَا، وَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَى وَاهْجُرُوهُنَّ قَيِّدُوهُنَّ مِنْ هَجْرِ الْبَعِيرِ إِذَا شَدَّهُ بِالْهِجَارِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.