وَمِنْهُ فِي التَّنْزِيلِ: خُذِ الْعَفْوَ (٧: ١٩٩) ، وَفِي الْحَدِيثِ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صُدْفَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، أَيْ: أَسْقَطْتُهَا تَيْسِيرًا عَلَيْكُمْ، وَمِنْ عَفْوِهِ تَعَالَى أَنْ أَسْقَطَ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وُجُوبَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَمِنْ مَعَانِي الْعَفْوِ مَحْوُ الشَّيْءِ يُقَالُ: عَفَتِ الرِّيحُ الْأَثَرَ، وَيُقَالُ: عَفَا الْأَثَرُ (لَازِمٌ) أَيْ: أُمْحِيَ، وَمِنْهُ الْعَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ عَفَا عَنْهُ، وَعَفَا لَهُ ذَنْبَهُ، وَعَفَا
عَنْ ذَنْبِهِ، أَيْ: مَحَاهُ، فَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ عِقَابًا، فَالْعَفْوُ أَبْلَغُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ ; لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ مِنَ الْغَفْرِ، وَهُوَ السَّتْرُ، وَسَتْرُ الذَّنْبِ بِعَدَمِ الْحِسَابِ وَالْعِقَابِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي بَقَاءَ أَثَرٍ خَفَيٍّ لَهُ، وَمَعْنَى الْعَفْوِ ذَهَابُ الْأَثَرِ، فَالْعَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ جَعْلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِأَلَّا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي النَّفْسِ لَا ظَاهِرٌ وَلَا خَفِيٌّ، فَهَذَا التَّذْيِيلُ لِلْآيَةِ مُبَيِّنٌ مَنْشَأَ الرُّخْصَةِ وَالْيُسْرِ الَّذِي فِيهَا، وَهُوَ عَفْوُ اللهِ تَعَالَى، وَمُشْعِرٌ بِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْخَطَأِ فِي صَلَاةِ السُّكَارَى كَقَوْلِهِمْ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) مَغْفُورٌ لَهُمْ لَا يُؤَاخَذُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّنَا نَخْتِمُ تَفْسِيرَ الْآيَةِ بِمَسَائِلَ فِي أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ لَا بُدَّ مِنْهَا.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَعْنَى التَّيَمُّمِ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ:
قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْقَصْدِ وَهُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، قَالَ الْأَعْشَى:
تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ ... مِنَ الْأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ
ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِي الْعَمَلِ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ ضَرْبُ الْيَدَيْنِ بِوَجْهِ الْأَرْضِ، وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِهِمَا، وَصَارُوا يَقُولُونَ: تَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، فَقَالَ:
تَيَمَّمْتُكُمْ لَمَّا فَقَدْتُ أُولِي النُّهَى ... وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ بِالتُّرْبِ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ـ مَحَلُّ التَّيَمُّمِ:
نَصُّ الْآيَةِ أَنَّ مَحَلَّهُ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ، وَلَكِنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى مَا تُزَاوَلُ بِهِ الْأَعْمَالُ مِنَ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَحَدُّهَا الرُّسْغُ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمَفْصِلُ الَّذِي يَرْبُطُ الْكَفَّ بِالسَّاعِدِ وَهِيَ الَّتِي تُقْطَعُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الذِّرَاعِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْمِرْفَقِ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَجْمُوعِ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ إِلَى الْإِبِطِ وَالْكَتِفِ ; وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَسْحِ الْيَدَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهِ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَإِنَّنَا نُلَخِّصُ ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ الرَّاجِحِ فَنَقُولُ: جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا "، وَضَرَبَ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ـ وَسَيَأْتِي نَصُّهُ وَسَبَبُهُ وَمَا قِيلَ فِيهِ ـ وَفِي لَفْظٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ: إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِكَفَّيْكَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ إِلَى الرُّسْغَيْنِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ،
وَمَكْحُولٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
أَقُولُ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.