وَمَسْجِدًا وَاسْتَدَلُّوا بِلَفْظِ مِنْهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِذْ قَالَ: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٥: ٦) ، إِنَّ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِيمَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تَيَمُّمِ النَّبِيِّ مِنَ الْجِدَارِ فِي الْمَدِينَةِ، وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ عَلَيْهِ غُبَارٌ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ: " أَنَّهُ حَكَّهُ بِالْعَصَا، ثُمَّ مَسَحَ مِنْهُ " وَفِيهَا مَقَالٌ عَلَى أَنَّ مَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ لَيْسَ خَاصًّا بِالتُّرَابِ، فَأَكْثَرُ مَوَادِّ الْأَرْضِ يَنْفَصِلُ مِنْهَا شَيْءٌ إِذَا دِيسَتْ، أَوْ سُحِقَتْ، وَمِنَ التُّرَابِ اللَّزِجِ الَّذِي يَيْبَسُ فَلَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِضَرْبِ الْيَدَيْنِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدَاسَ كَثِيرًا أَوْ يُدَقَّ، وَيَرَى هَؤُلَاءِ أَنَّ " مِنْ " فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ لِلِابْتِدَاءِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ مَا هُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَغْلَبُ، وَلَوْ كَانَ الْغُبَارُ قَيْدًا لَا بُدَّ مِنْهُ لَذُكِرَ فِي آيَةِ النِّسَاءِ ; لِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَعَمِلَ النَّاسُ بِإِطْلَاقِهَا زَمَنًا طَوِيلًا، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى آيَةَ التَّيَمُّمِ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ فِيهِ عُسْرٌ يُنَافِي الرُّخْصَةَ وَنَفْيَ الْحَرَجِ الَّذِي عُلِّلَتْ بِهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَجِدَ التُّرَابَ الطَّاهِرَ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِنْهُ الْغُبَارُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ; وَلِهَذَا رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ يَحْمِلُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ أَكْيَاسًا فِيهَا تُرَابٌ نَاعِمٌ يَتَيَمَّمُونَ مِنْهُ، وَالْعَمَلُ بِإِطْلَاقِ الْآيَةِ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ وَأَيْسَرُ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَثَلًا، وَمَا كَانَ يُوجَدُ التُّرَابُ إِلَّا فِي بَعْضِ طَرِيقِهَا، وَلَوْ كَانَ الْغُبَارُ مَقْصُودًا لَمَا نَفَضَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَفَّيْهِ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَ بِهِمَا الْأَرْضَ كَمَا فِي رِوَايَةِ شَقِيقٍ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ، وَلَمَا أَمَرَ بِنَفْخِهِمَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى لَهُ، وَهَلْ يَبْقَى بَعْدَ النَّفْضِ وَالنَّفْخِ مَا يَكْفِي لِإِصَابَةِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ مِنَ الضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ؟ فَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ التُّرَابِ أَوِ الْغُبَارِ غَيْرُ قَوِيٍّ، فَيَضْرِبُ الْمُتَيَمِّمُ بِيَدَيْهِ أَيَّ مَكَانٍ
طَاهِرٍ مِنْ ظَاهِرِ الْأَرْضِ حَيْثُ كَانَ وَيَمْسَحُ، فَإِنْ وَجَدَ مَكَانًا فِيهِ غُبَارٌ وَاخْتَارَهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ فَذَاكَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُضَ يَدَيْهِ أَوْ يَنْفُخَهُمَا مِنَ الْغُبَارِ، وَلَا يُعَفِّرَ وَجْهَهُ بِهِ، وَإِنْ عَدَّ بَعْضُهُمُ التَّعْفِيرَ مِنْ حِكْمَةِ التَّيَمُّمِ، فَالسُّنَّةُ تُخَالِفُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ـ التَّيَمُّمُ عَنِ الْحَدَثَيْنِ لِفَاقِدِ الْمَاءِ، الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ فِيهِ سَوَاءٌ:
تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَمَّارٍ فِي السَّفَرِ، وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي اعْتَزَلَ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِلْجَنَابَةِ وَفَقْدِ الْمَاءِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَهُ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ مَرْفُوعًا، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَمَسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَفِيهَا رِوَايَةُ شَقِيقٍ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.