الْبَارِدِ فَأَمُوتَ، فَأَمَرْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فِي إِرْحَالِهَا، ثُمَّ رَضَفْتُ أَحْجَارًا فَأَسْخَنْتُ بِهَا مَاءً فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ سَمِعْتُ (لَعَلَّهُ أَدْرَكْتُ) رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ: يَا أَسْلَعُ، مَا لِي أَرَى رَحْلَتَكَ تَغَيَّرَتْ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أُرَحِّلْهَا، رَحَّلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: إِنِّي أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَخَشِيتُ الْقُرَّ عَلَى نَفْسِي فَأَمَرْتُهُ أَنْ يُرَحِّلَهَا وَرَضَفْتُ أَحْجَارًا فَأَسْخَنْتُ بِهَا مَاءً فَاغْتَسَلْتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ، إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَسْلَعِ قَالَ: " كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأُرَحِّلُ لَهُ فَقَالَ لِي ذَاتَ لَيْلَةٍ: يَا أَسْلَعُ، قُمْ فَأَرْحِلْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً حَتَّى جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِآيَةِ الصَّعِيدِ، فَقَالَ: قُمْ يَا أَسْلَعُ، فَتَيَمَّمْ ثُمَّ أَرَانِي الْأَسْلَعُ كَيْفَ
عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ التَّيَمُّمَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ فَدَلَّكَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ذِرَاعَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا " اهـ.
وَحَدِيثُ الْأَسْلَعِ فِي التَّيَمُّمِ بِالضَّرْبَتَيْنِ فِي سَنَدِهِ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالرِّوَايَاتُ فِي التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ قَلِيلَةٌ، وَفِي أَكْثَرِهَا ذِكْرُ فَقْدِ الْمَاءِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْآيَةَ مُشْكِلَةً أَوْ مُعْضِلَةً عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ ; عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ أَوْ كُلَّهَا عَلَى كَوْنِهَا وَقَائِعَ أَحْوَالٍ مَنْقُولَةٌ بِالْمَعْنَى، وَمَنْ نَظَرَ فِي آيَةٍ نَظَرًا مُسْتَقِلًّا فَهِمَهَا كَمَا فَهِمْنَاهَا، قَالَ السَّيِّدُ حَسَنٌ صِدِّيق خَانْ:
قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ، وَقَدْ كَثُرَ الِاخْتِبَاطُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْحَقُّ أَنْ قَيْدَ عَدَمِ الْوُجُودِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، فَتَكُونُ الْأَعْذَارُ ثَلَاثَةً: السَّفَرَ، وَالْمَرَضَ، وَعَدَمَ الْوُجُودِ فِي الْحَضَرِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقَيْدَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَّصِلَةٍ كَانَ قَيْدًا لِآخِرِهَا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَكُونُ قَيْدًا لِلْجَمِيعِ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ فَكَذَلِكَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْمَانِعُ هَاهُنَا مِنْ تَقْيِيدِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ بِعَدَمِ الْوُجُودِ لِلْمَاءِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُذْرٌ مُسْتَقِلٌّ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ كَالصَّوْمِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَحَادِيثُ التَّيَمُّمِ الَّتِي وَرَدَتْ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً بِالْحَضَرِ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِهِ لِلرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ لِي أَنْ رَأَيْتُهُ عِنْدَ أَحَدِ الْأَصْدِقَاءِ بَعْدَ كِتَابَةِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَإِرْسَالِهِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ إِلَى مِصْرَ لِيُطْبَعَ فِيهَا، فَأَلْحَقْتُهُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ: الْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ وَعَدَمُ تَرْكِ الطِّهَارَةِ بِالْمَاءِ إِلَّا لِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَنَاهِيكَ بِمَا فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مِنَ النَّظَافَةِ وَحِفْظِ الصِّحَّةِ وَالنَّشَاطِ لِلْعِبَادَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.