يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٠: ٥٧، ٥٨) ، وَأَقُولُ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ دَلَائِلَ كَثِيرَةً أَصْرَحُ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَالْكَلَامُ فِي تَفْضِيلِ ذَلِكَ بِدَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ يَطُولُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ فِي كِتَابٍ خَاصٍّ، وَلَعَلَّنَا نُوَفَّقُ لِبَيَانِهِ فِي مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ الَّتِي نُودِعُهَا كُلِّيَّاتِ فِقْهِ الْقُرْآنِ وَحِكْمَتِهِ الْعُلْيَا.
عَلَى أَنَّ الطُّوفِيَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى وُجُوهِ تَيْنِكَ الْآيَتَيْنِ بَلْ ذَكَرَ دَلَائِلَ أُخْرَى مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ، وَرَدَّ مَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَبَيْنَ مَا تَتَعَارَضُ بِهِ الْمَصَالِحُ، وَطُرُقَ التَّرْجِيحِ فِيهَا، فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ شَاءَ فِي الْمُجَلَّدِ الْعَاشِرِ (مِنَ الْمَنَارِ مِنْ ص ٧٤٥ - ٧٧٠) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ ـ فِي الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ فِي الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى الْإِجْمَاعِ:
بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنَ الْإِجْمَاعِ الْأُصُولِيِّ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ، وَيُقَابِلُهُ الِاخْتِلَافُ وَالتَّفَرُّقُ اللَّذَانِ نَهَى الله عَنْهُمَا وَرَسُولُهُ نَهْيًا شَدِيدًا.
وَمِنَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ: مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قَيْدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ حَتَّى يُرَاجِعَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِمَامُ جَمَاعَةٍ فَإِنَّ مَوْتَتَهُ مَوْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وَبِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بِلَفْظِ: مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ فَارَقَ الْإِسْلَامَ وَرَوَاهُ غَيْرُهُمْ أَيْضًا بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: يَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَرْفَجَةَ بِزِيَادَةِ: " وَالشَّيْطَانُ مَعَ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ " وَحَدِيثُ: " لَنْ تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ أَبَدًا، وَإِنَّ يَدَ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ " رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ ذِكْرُ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ مِنْهُ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: " بَابُ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ "، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ: وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ أَمَرَنِي اللهُ بِهِنَّ: السَّمْعُ، وَالطَّاعَةُ، وَالْجِهَادُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْجَمَاعَةُ ; فَإِنَّ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، وَفِي خُطْبَةِ عُمَرَ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي خَطَبَهَا فِي الْجَابِيَةِ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.