تَوَلَّى وَأَعْرَضَ عَنْ طَاعَتِكَ الَّتِي هِيَ طَاعَةُ اللهِ فَلَيْسَ مِنْ شُئُونِ رِسَالَتِكَ أَنْ تُكْرِهَهُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّنَا أَرْسَلْنَاكَ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا لَا حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، أَيْ: لَا مُسَيْطِرًا وَرَقِيبًا تَحْفَظُ عَلَى النَّاسِ أَعْمَالَهُمْ فَتُكْرِهُهُمْ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، وَلَا جَبَّارًا تَجْبِرُهُمْ عَلَيْهِ، بَلِ الْإِيمَانُ وَالطَّاعَةُ مِنَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي تَتْبَعُ الِاقْتِنَاعَ.
ذَكَرْتُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا حَقَّقَهُ الْفَيْلَسُوفُ الْعَرَبِيُّ الِاجْتِمَاعِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلْدُونَ فِي بَعْضِ فُصُولِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ مُقَدِّمَتِهِ فِي كَوْنِ مُعَانَاةِ أَهْلِ الْحَضَرِ لِلْأَحْكَامِ مُفْسِدَةً لِبَأْسِهِمْ ذَاهِبَةً بِمَنَعَتِهِمْ، وَكَوْنِ الَّذِينَ يُؤْخَذُونَ بِأَحْكَامِ الْقَهْرِ وَالسُّلْطَةِ وَبِأَحْكَامِ التَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ يَنْقُصُ بِأْسُهُمْ وَيَغْلُبُ عَلَيْهِمُ الْجُبْنُ وَالضَّعْفُ، وَكَوْنُ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ وَازِعًا اخْتِيَارِيًّا لَا يُفْسِدُ الْبَأْسَ، وَلَا يُذَلِّلُ النَّفْسَ، قَالَ بَعْدَ مُقَدِّمَةٍ فِي ذَلِكَ مَا نَصُّهُ:
" وَلِهَذَا نَجِدُ الْمُتَوَحِّشِينَ مِنَ الْعَرَبِ أَهْلَ الْبَدْوِ أَشَدَّ بَأْسًا مِمَّنْ تَأْخُذُهُمُ الْأَحْكَامُ، وَنَجِدُ أَيْضًا الَّذِينَ يُعَانُونَ الْأَحْكَامَ وَمَلَكَتِهَا مِنْ لَدُنْ مَرْبَاهُمْ فِي التَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ فِي الصَّنَائِعِ وَالْعُلُومِ وَالدِّيَانَاتِ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ بَأْسِهِمْ كَثِيرًا، وَلَا يَكَادُونَ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ عَادِيَةً بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَهَذَا شَأْنُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْقِرَاءَةِ وَالْأَخْذِ
عَنِ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ الْمُمَارِسِينَ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ فِي مَجَالِسِ الْوَقَارِ وَالْهَيْبَةِ فِيهِمْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ وَذَهَابُهَا بِالْمَنَعَةِ وَالْبَأْسِ ".
وَلَا تَسْتَنْكِرْ ذَلِكَ بِمَا وَقَعَ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ أَخْذِهِمْ بِأَحْكَامِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ وَلَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ بَأْسِهِمْ بَلْ كَانُوا أَشَدَّ بَأْسًا ; لِأَنَّ الشَّارِعَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ دِينَهُمْ كَانَ وَازِعَهُمْ فِيهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لِمَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلَمْ يَكُنْ بِتَعْلِيمٍ صِنَاعِيٍّ وَلَا تَأْدِيبٍ تَعْلِيمِيٍّ، إِنَّمَا هِيَ أَحْكَامُ الدِّينِ وَآدَابُهُ الْمُتَلَقَّاةُ نَقْلًا يَأْخُذُونَ أَنْفُسَهُمْ بِهَا بِمَا رَسَخَ فِيهِمْ مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، فَلَمْ تَزَلْ سُورَةُ بِأْسِهِمْ مُسْتَحْكِمَةً كَمَا كَانَتْ وَلَمْ تَخْدِشْهَا أَظْفَارُ التَّأْدِيبِ وَالْحُكْمِ، قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ الشَّرْعُ لَا أَدَّبَهُ اللهُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْوَازِعُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَقِينًا بِأَنَّ الشَّارِعَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ.
وَلَمَّا تَنَاقَصَ الدَّيْنُ فِي النَّاسِ وَأَخَذُوا بِالْأَحْكَامِ الْوَازِعَةِ، ثُمَّ صَارَ الشَّرْعُ عِلْمًا وَصِنَاعَةً يُؤْخَذُ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ، وَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى الْحَضَارَةِ وَخُلُقِ الِانْقِيَادِ إِلَى الْأَحْكَامِ نَقَصَتْ بِذَلِكَ سَوْرَةُ الْبَأْسِ فِيهِمْ.
" فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَحْكَامَ السُّلْطَانِيَّةَ وَالتَّعْلِيمِيَّةَ مِمَّا تُؤَثِّرُ فِي أَهْلِ الْحَوَاضِرِ فِي ضَعْفِ نُفُوسِهِمْ وَخَضَدِ الشَّوْكَةِ مِنْهُمْ بِمُعَانَاتِهِمْ فِي وَلِيدِهِمْ وَكُهُولِهِمْ، وَالْبَدْوُ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ أَحْكَامِ السُّلْطَانِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْآدَابِ، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ كِتَابِهِ فِي أَحْكَامِ الْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ يَضْرِبَ أَحَدًا مِنَ الصِّبْيَانِ فِي التَّعْلِيمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ، نَقَلَهُ شُرَيْحٌ الْقَاضِيُّ، انْتَهَى الْمُرَادُ ".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.