أَمْرٍ بَيَّنَ لَهُ عَلَّامُ الْغُيُوبِ حَقِيقَةَ الْوَاقِعِ فِيهِ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ فِي مُعَامَلَةِ ذَوِيهِ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، أَيْ: كَانَ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِرَارًا.
وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ، أَيْ: يَخُونُونَهَا، بَلْ يَتَعَلَّمُونَ وَيَتَكَلَّفُونَ مَا يُخَالِفُ الْفِطْرَةَ مِنَ الْخِيَانَةِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالضَّرَرِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْخَائِنِينَ يُوجَدُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَهَذَا النَّهْيُ لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ تَشْرِيعٌ وُجِّهَ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ كَافَّةً ;
وَفِي جَعْلِهِ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ لَهُ - وَهُوَ أَعْدَلُ النَّاسِ وَأَكْمَلُهُمْ - مُبَالَغَةٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ هَذِهِ الْخَلَّةِ الْمَعْهُودَةِ مِنَ الْحُكَّامِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، أَيْ: مَنِ اعْتَادَ الْخِيَانَةَ وَأَلِفَ الْإِثْمَ فَلَمْ يَعُدْ يَنْفِرُ مِنْهُ، وَلَا يَخَافُ الْعِقَابَ الْإِلَهِيَّ عَلَيْهِ، فَيُرَاقِبُهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُحِبُّ اللهُ أَهْلَ الْأَمَانَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ، أَيْ: إِنَّ شَأْنَ هَؤُلَاءِ الْخَوَّانِينَ الرَّاسِخِينَ فِي الْإِثْمِ أَنَّهُمْ يَسْتَتِرُونَ مِنَ النَّاسِ عِنْدَ ارْتِكَابِ خِيَانَتِهِمْ وَاجْتِرَاحِهِمُ الْإِثْمَ ; لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ ضُرَّهُمْ، وَلَا يَسْتَتِرُونَ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - بِتَرْكِهِ لِأَنَّهُمْ لَا إِيمَانَ لَهُمْ، إِذِ الْإِيمَانُ يَمْنَعُ مِنَ الْإِصْرَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَا تَقَعُ الْخِيَانَةُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ جَهَالَةٍ عَارِضَةٍ لَا تَدُومُ وَلَا تَتَكَرَّرُ حَتَّى تُحِيطَ بِصَاحِبِهَا خَطِيئَتُهُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِخْفَاءُ مِنْهُ - تَعَالَى - فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ - تَعَالَى - يَرَاهُ وَرَاءَ الْأَسْتَارِ فِي حَنَادِسِ الظُّلُمَاتِ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتْرُكَ الذَّنْبَ وَالْخِيَانَةَ حَيَاءً مِنْهُ - تَعَالَى - أَوْ خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ، وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، أَيْ: وَهُوَ - تَعَالَى - شَاهِدُهُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُدَبِّرُونَ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ، مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، لِأَجْلِ تَبْرِئَةِ أَنْفُسِهِمْ وَرَمْيِ غَيْرِهِمْ بِخِيَانَتِهِمْ وَجَرِيمَتِهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْهُ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى نَجَاتِهِمْ مِنْ عِقَابِهِ.
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أَرَادُوا مُسَاعَدَةَ بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلَى الْيَهُودِيِّ جَمَاعَةٌ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْجِدَالِ عَنْهُمْ مُوَجَّهٌ إِلَى هَؤُلَاءِ وَحْدَهُمْ وَإِنْ بُدِئَ بِخِطَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ، أَيْ: هَا أَنْتُمْ يَا هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ وَحَاوَلْتُمْ تَبْرِئَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، يَوْمَ يَكُونُ الْخَصْمُ وَالْحَاكِمُ هُوَ اللهُ الْمُحِيطُ عِلْمُهُ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَأَحْوَالِ الْخَلْقِ كَافَّةً؟ أَيْ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَادِلَ هُنَالِكَ أَحَدٌ عَنْهُمْ، وَلَا أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ لَهُمْ، فَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُرَاقِبُوا اللهَ - تَعَالَى - فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا يَحْسَبُوا أَنَّ مَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَنَالَ الْفَلْجَ بِالْحُكْمِ لَهُ مِنْ قُضَاةِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ حَقٍّ، يُمْكِنُهُ كَذَلِكَ أَنْ يَظْفَرَ فِي الْآخِرَةِ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.