الْمُطْلَقَةِ اللَّائِقَةِ بِمَقَامِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي هِيَ شَأْنُ الرُّبُوبِيَّةِ، قَدْ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْقُرْآنَ، كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، الَّذِينَ يَدَّعِي الْإِيمَانَ بِهِمْ هَؤُلَاءِ النَّاسُ، وَلَمْ نُنَزِّلْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَمِهِمْ وَلَا مِنْهُمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا سَأَلُوكَ لِلتَّعْجِيزِ وَالْعِنَادِ ; لِأَنَّ الْوَحْيَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِعْلَامِ السَّرِيعِ الْخَفِيِّ، وَمَا هُوَ بِالْأَمْرِ الْمُشَاهَدِ الْحِسِّيِّ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ رُوحِيٌّ، يُعِدُّ اللهُ لَهُ النَّبِيَّ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا (٤٢: ٥٢) .
الْوَحْيُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١٩: ١١) وَعَلَى الْإِلْهَامِ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّفْسِ، وَهُوَ أَخْفَى مِنَ الْإِيمَانِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى (٢٧: ٧) وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا بِعِنَايَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ اللهِ، تَعَالَى. وَعَلَى مَا يَكُونُ غَرِيزِيَّةً دَائِمَةً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ، تَعَالَى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ (١٦: ٦٨) وَعَلَى الْإِعْلَامِ فِي الْخَفَاءِ، وَهُوَ أَنْ تُعْلِمَ إِنْسَانًا بِأَمْرٍ تُخْفِيهِ عَنْ غَيْرِهِ
، وَمِنْهُ قَوْلُهُ، تَعَالَى: شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ (٦: ١١٢) وَأُطْلِقَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ ; لِمَا يَكُونُ فِيهِمَا مِنَ التَّخْصِيصِ. وَوَحْيُ اللهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ هُوَ: مَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يُخْفِيهِ عَنْ غَيْرِهِمْ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَعَدَّ أَرْوَاحَهُمْ لِتَلَقِّيهِ بِوَاسِطَةٍ كَالْمَلِكِ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَعَرَّفَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي رِسَالَةِ التَّوْحِيدِ بِأَنَّهُ: " عِرْفَانٌ يَجِدُهُ الشَّخْصُ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ الْيَقِينِ بِأَنَّهُ مِنْ قِبَلِ اللهِ، بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَالْأَوَّلُ بِصَوْتٍ يَتَمَثَّلُ لِسَمْعِهِ أَوْ بِغَيْرِ صَوْتٍ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِلْهَامِ بِأَنَّ الْإِلْهَامَ وِجْدَانٌ تَسْتَيْقِنُهُ النَّفْسُ وَتَنْسَاقُ إِلَى مَا يَطْلُبُ عَلَى غَيْرِ شُعُورٍ مِنْهَا مِنْ أَيْنَ أَتَى؟ وَهُوَ أَشْبَهُ بِوِجْدَانِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحُزْنِ وَالسُّرُورِ ".
ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ إِمْكَانِهِ وَوُقُوعَهُ فِي فَصْلَيْنِ لَمْ يَنْسِجْ أَحَدٌ عَلَى مِنْوَالِهِمَا.
بَدَأَ اللهُ - تَعَالَى - بِذِكْرِ نُوحٍ لِأَنَّهُ أَقْدَمُ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ ذُكِرَ فِي كُتُبِ الْقَوْمِ (وَقِصَّةُ بَعْثَتِهِ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ، وَهُوَ السِّفْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأَسْفَارِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا التَّوْرَاةَ) وَإِنَّمَا تَنْهَضُ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ إِذَا كَانَتْ مُقَدَّمَاتُهُ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ.
ثُمَّ خَصَّ بَعْضَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ نُوحٍ بِالذِّكْرِ لِشُهْرَتِهِمْ وَعُلُوِّ مَقَامِهِمْ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ أَيْ وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ بَعْدَهُ ; فَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ الْكِرَامِ، فَمُجْمَعٌ عَلَى فَضْلِهِ وَنُبُوَّتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ وَعِنْدَ الْعَرَبِ أَيْضًا، وَكُلُّ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَيَعْقُوبُ هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَاشْتُهِرَ بِلَقَبِ (إِسْرَائِيلَ) فَسَائِرُ أَنْبِيَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَيُسَمَّوْنَ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَهُوَ مِنْ نَسْلِ أَخِيهِ الْأَكْبَرِ إِسْمَاعِيلَ الذَّبِيحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.