بِالرُّوحِ. وَالْعَمَلُ النَّافِعُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْإِرَادَةِ، فَمَتَى خُذِّلَتِ النُّفُوسُ بِالتَّسَلُّطِ عَلَى إِرَادَتِهَا تَبِعَهَا الْجِسْمُ فَيَضْعُفُ بِضَعْفِهَا، وَالضَّعِيفُ يَأْتِي بِنِتَاجٍ ضَعِيفٍ، وَيَكُونُ نَسْلُ نِتَاجِهِ أَضْعَفَ مِنْ نَسْلِهِ، وَيَتَسَلْسَلُ هَكَذَا حَتَّى يَكُونَ مِنْ لَوَازِمِ ضَعْفِ النَّسْلِ إِسْرَاعُ الْمَوْتِ إِلَى صِغَارِهِ قَبْلَ بُلُوغِ سِنِّ الرُّشْدِ، وَبِهَذَا يَنْقَرِضُ النَّسْلُ، كَمَا حَصَلَ لِهُنُودِ أَمْرِيكَا وَسُكَّانِ شَمَالِيِّ أُسْتُرَالِيَا.
اسْتَبْطَأَ الْمِصْرِيُّونَ أَثَرَ الِاسْتِذْلَالِ فِي الْإِسْرَائِيلِيِّينَ فَعَمِلُوا عَلَى انْقِرَاضِهِمْ بِقَتْلِ ذُكْرَانِهِمْ، وَاسْتِحْيَاءِ إِنَاثِهِمْ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ الْقَوَابِلَ بِأَنْ يَقْتُلْنَ كُلَّ ذَكَرٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ فِي الْخَلْقِ أَنَّ قِوَامَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ وَحِفْظَ الْأَجْنَاسِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالذُّكُورِ. وَقَالَ مُفَسِّرُنَا (الْجَلَالُ) تَبَعًا لِغَيْرِهِ: إِنَّ سَبَبَ الْعَذَابِ وَتَقْتِيلِ الْأَبْنَاءِ دُونَ الْبَنَاتِ هُوَ أَنَّ بَعْضَ الْكَهَنَةِ أَخْبَرَ فِرْعَوْنَ بِأَنْ سَيُولَدُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَدٌ يَنْزِعُ مِنْهُ مُلْكَهُ، وَيَكُونُ عَلَى يَدَيْهِ هُلْكُهُ.
(قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) : وَلَيْسَ لِهَذَا الْقَوْلِ سَنَدٌ صَحِيحٌ وَلَا يُعْرَفُ فِي التَّارِيخِ، وَمَا قُلْنَاهُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَيَتَنَاقَلُونَهُ فِي كُتُبِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمُقَدَّسَةِ وَغَيْرِ الْمُقَدَّسَةِ، وَهُوَ الْمَعْقُولُ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا.
(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
جَاءَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ ذِكْرُ تَنْجِيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ عَلَى
كَوْنِهِ تَفْصِيلًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، مُجْمَلٌ مِنْ حَيْثُ الْإِنْجَاءِ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ النَّجَاةَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ، وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نِعْمَتَهُ فِي طَرِيقِ الْإِنْجَاءِ بِالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ لِبَيَانِ عِنَايَةِ اللهِ - تَعَالَى - بِهِمْ فِيهَا، إِذْ جَعَلَ وَسِيلَتَهُ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَجَعَلَ فِي طَرِيقِهِ هَلَاكَ عَدُوِّهِمْ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنْ نِعَمِهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ، لَا أَنَّهَا بَيَانُ الْإِجْمَالِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
لَمَّا أَرْسَلَ اللهُ - تَعَالَى - مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ، وَإِلَى أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ إِطْلَاقِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِعْبَادِ وَالتَّعْذِيبِ، لَمْ يَزِدْهُمْ فِرْعَوْنُ إِلَّا تَعْذِيبًا وَتَعْبِيدًا، وَفِي سِفْرِ الْخُرُوجِ مِنْ تَارِيخِ التَّوْرَاةِ: أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - أَنْبَأَ مُوسَى بِأَنَّهُ يُقَسِّي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.