غَيْرَ ثَلَاثَةِ عُيُوبٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنَ اللهِ. أَقْبَحُهَا مَسْأَلَةُ (التَّجْحِيشِ) أَيِ: التَّحْلِيلُ فَبَيَّنْتُ لَهُ الْحَقَّ فِيهَا فَاقْتَنَعَ.
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
هَذَا حُكْمٌ جَدِيدٌ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ فِي مُعَامَلَةِ الْمُطَلَّقَاتِ وَنَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَوَعِيدٌ عَلَى هَذَا الضِّدِّ وَإِرْشَادٌ إِلَى الْمَصْلَحَةِ، وَالْحِكْمَةِ فِي الِائْتِمَارِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ هَذَا النَّهْيِ. وَتِلْكَ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الطَّلَاقِ الْمَشْرُوعِ وَعَدَدِهِ وَكَوْنِ الْأَصْلِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَوْنِ أَخْذِ الْعِوَضِ مِنَ الْمَرْأَةِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِشَرْطٍ. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا وَذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِهَا وَهُوَ أَلْيَقُ بِهَذِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي إِبْطَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ، فَجَمِيعُ الْوَقَائِعِ الَّتِي كَانَتْ تَقَعُ عَلَى الْعَادَاتِ كَانَتْ تُعَدُّ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ لَهَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ هَذِهِ مَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ فِي مَعْنَى رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ هُنَاكَ قَالَ: أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُضَارُّهَا وَيَعْضُلُهَا فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ)) وَأَخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: ((نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُدْعَى ثَابِتَ بْنَ يَسَارٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا إِلَّا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا مُضَارَّةً فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) اهـ. وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ) نَزَلَ وَحْدَهُ، بَلِ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ، نَزَلَتْ كُلُّهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهَا، وَلَكِنْ بَعْدَ وُقُوعِ حَوَادِثَ جَعَلَتْ مِنْ أَسْبَابِهَا.
الْأَجَلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) هُوَ زَمَنُ الْعِدَّةِ وَمَعْنَى (بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.