الْوَقَائِعِ وَالْحَوَادِثِ بِالتَّدْقِيقِ فَاتَهُمْ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ، فَأَيْنَ مَا نَقَلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْهُمْ مِمَّا تَجِدُهُ
فِي عِبَارَةِ الْقُرْآنِ مِنْ صُنُوفِ الْعِبْرَةِ؟ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ النَّهَرِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا خَالَفَهُ مِنْ أَقْوَالِ سَائِرِ الْكُتُبِ مُعَارِضًا لَهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْفِيقِ أَوِ الْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(وَلَمَّا بَرَزُوا) أَيْ: لَمَّا ظَهَرَ طَالُوتُ وَجُنُودُهُ بِالْبَرَازِ، وَهِيَ بِالْفَتْحِ مَا اسْتَوَى مِنَ الْأَرْضِ (لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ الْفِلَسْطِينِيُّونَ (قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أَيْ: لَجَأَ قَوْمُ طَالُوتَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَدْعُونَهُ بِأَنْ يُفْرِغَ عَلَى قُلُوبِهِمُ الصَّبْرَ، وَيُثَبِّتَ أَقْدَامَهُمْ فِي مَوَاقِعِ الْقِتَالِ بِثَبَاتِ قُلُوبِهِمْ وَاطْمِئْنَانِهَا بِالْإِيمَانِ وَالثِّقَةِ بِهِ، وَيَنْصُرَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، الَّذِينَ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْأَوْهَامِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ بَعْضُهَا مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ الْأَسْبَابِ الْغَالِبَةِ، فَالصَّبْرُ سَبَبٌ لِلثَّبَاتِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، وَأَجْدَرُ النَّاسِ بِالصَّبْرِ الْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْغَالِبِ عَلَى أَمْرِهِ، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ بَعْدَ تَمَامِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ.
(فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ) أَيْ: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ مَا سَأَلُوا بِبَرَكَةِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَتَذَكُّرِهِمْ مَا يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ قُوَّتِهِ الَّتِي لَا تُغَالَبُ فَهَزَمُوهُمْ، أَيْ كَسَرُوهُمْ كَسْرَةً انْتَهَتْ بِدَفْعِهِمْ مِنَ الْمَعْرَكَةِ، وَهَرَبِهِمْ مِنْهَا بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفِذَةِ لِسُنَّتِهِ فِي نَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّابِرِينَ الثَّابِتِينَ، عَلَى الْكَافِرِينَ (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ) قَالُوا: إِنَّ جَالُوتَ جَبَّارُ الْفِلَسْطِينِيِّينَ طَلَبَ الْبَرَازَ فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُبَارَزَتِهِ حَتَّى إِنَّ طَالُوتَ جَعَلَ لِمَنْ يَقْتُلُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَيُحَكِّمَهُ فِي مُلْكِهِ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ دَاوُدُ بْنُ يَسَى، وَكَانَ غُلَامًا يَرْعَى الْغَنَمَ، وَلَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا وَلَا أَنْ يَحْمِلَ سِلَاحًا، بَلْ حَمَلَ مِقْلَاعَهُ وَحِجَارَتَهُ، فَسَخِرَ مِنْهُ جَالُوتُ وَاحْتَمَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ، وَقَالَ: هَلْ أَنَا كَلْبٌ فَتَخْرُجُ إِلَيَّ بِالْمِقْلَاعِ؟ فَرَمَاهُ دَاوُدُ بِمِقْلَاعِهِ فَأَصَابَ الْحَجَرُ رَأْسَهُ فَصَرَعَهُ فَدَنَا مِنْهُ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَجَاءَ بِهِ فَأَلْقَاهُ إِلَى طَالُوتَ فَعُرِفَ دَاوُدُ، وَكَانَ لَهُ الشَّأْنُ الَّذِي وَرِثَ بِهِ مُلْكَ إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) فَسَّرُوا الْحِكْمَةَ هُنَا بِالنُّبُوَّةِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ تُفَسَّرَ بِالزَّبُورِ الَّذِي أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيْهِ،
كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) (٤: ١٦٣) وَبِهِ كَانَ نَبِيًّا، وَأَمَّا تَعْلِيمُهُ مِمَّا يَشَاءُ فَهُوَ صَنْعَةُ الدُّرُوعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (٢١: ٨٠) .
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حِكْمَةَ الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ الَّذِي قَرَّرَتْهُ الْآيَاتُ فَقَالَ: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) قَرَأَ نَافِعٌ ((دِفَاعُ اللهِ)) وَالْبَاقُونَ ((دَفْعُ اللهُ)) أَيْ: لَوْلَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَدْفَعُ أَهْلَ الْبَاطِلِ بِأَهْلِ الْحَقِّ، وَأَهْلَ الْفَسَادِ فِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.