لَا جَرَمَ أَنَّ نُفُوسَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ كَانَتْ تَهْتَزُّ وَتَأْخُذُهَا الْأَرْيَحِيَّةُ عِنْدَ مَا تَلَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ لِمَا فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ بِعِنَايَةِ اللهِ - تَعَالَى - بِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَارَنُوا بَيْنَ هَذَا التَّذْكِيرِ وَبَيْنَ تَذْكِيرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِتِلْكَ الْقَوَارِعِ الشَّدِيدَةِ، لَمْ يَتْرُكْهَا بَعْدَ هَذِهِ الْهَزَّةِ تَجْمَحُ فِي عُجْبِهَا وَفَخْرِهَا، وَتَتَمَادَى فِي إِبَائِهَا وَزَهْوِهَا، بَلْ عَقَّبَ عَلَيْهَا فَذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ سَيِّئَةً لَهُمْ، هِيَ كُبْرَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي ظَلَمُوا بِهَا أَنْفُسَهُمْ وَكَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ، وَهِيَ اتِّخَاذُ الْعِجْلِ إِلَهًا، وَقَدَّمَ عَلَى ذِكْرِهَا خَبَرَ مُوَاعَدَةِ مُوسَى وَهِيَ مِنَ النِّعَمِ، وَخَتَمَهَا بِذِكْرِ الْعَفْوِ، ثُمَّ قَفَّى عَلَيْهَا بِذِكْرِ نِعْمَةِ إِيتَائِهِمُ الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ، وَهَذَا مَا يَجْعَلُ أَنْفُسَ السَّامِعِينَ الْوَاعِينَ قَلِقَةً يَتَنَازَعُهَا شُعُورُ اعْتِرَافِ الْمُذَكِّرِ الْوَاعِظِ لَهَا بِالشَّرَفِ، وَشُعُورُ رَمْيِهِ إِيَّاهَا بِالظُّلْمِ وَالسَّرَفِ.
بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ اسْتَعَدَّتْ تِلْكَ النُّفُوسُ؛ لِأَنْ تَسَمَعَ آيَاتٍ مَبْدُوءَةٍ بِذِكْرِ سَيِّئَاتِهَا مِنْ غَيْرِ تَمْهِيدٍ وَلَا تَوْطِئَةٍ، فَانْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الضَّرْبِ مِنَ التَّذْكِيرِ مَبْدُوءًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) أَيْ وَاذْكُرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ فِيمَا تُلْقِيهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا عَبَدُوهُ إِذْ كَانَ يُنَاجِي رَبَّهُ فِي الْمِيقَاتَيْنِ: الزَّمَانِيِّ، وَالْمَكَانِيِّ (يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) إِلَهًا عَبَدْتُمُوهُ. وَالْقِصَّةُ مُفَصَّلَةٌ فِي سُورَتَيِ الْأَعْرَافِ وَطَهَ الْمَكِّيَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ مُوسَى فِيهِمَا مَقْصُودَةٌ بِالذَّاتِ، وَأَمَّا مَا هُنَا فَهُوَ تَذْكِيرٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا تَقَدَّمَ وَجْهُهُ فِي سِيَاقِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أَيْ فَتُوبُوا إِلَى خَالِقِكُمُ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَعْبُدُوا مَعَهُ إِلَهًا آخَرَ هُوَ أَدْنَى مِنْكُمْ، وَهُوَ مِنْ خَلْقِكُمْ، أَيْ تَقْدِيرِكُمْ وَصُنْعِكُمْ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَإِنَّ قَتْلَ الْمَرْءِ لِأَخِيهِ كَقَتْلِهِ لِنَفْسِهِ، وَيَحْتَمِلُ اللَّفْظُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لِيَبْخَعَ كُلُّ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ
نَفْسَهُ انْتِحَارًا.
تَكَلَّمَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي التَّوْبَةِ وَقَالَ: إِنَّهَا مَحْوُ أَثَرِ الرَّغْبَةِ فِي الذَّنْبِ مِنْ لَوْحِ الْقَلْبِ، وَالْبَاعِثُ عَلَيْهَا هُوَ شُعُورُ التَّائِبِ بِعَظَمَةِ مَنْ عَصَاهُ، وَمَا لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَكَوْنِ مَصِيرِهِ إِلَيْهِ فِي الْمَآلِ، لَا جَرَمَ أَنَّ الشُّعُورَ بِهَذَا السُّلْطَانِ الْإِلَهِيِّ بَعْدَ مُقَارَفَةِ الذَّنْبِ يَبْعَثُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ الْهَيْبَةَ وَالْخَشْيَةَ، وَيُحْدِثُ فِي رُوحِهِ انْفِعَالًا مِمَّا فَعَلَ، وَنَدَمًا عَلَى صُدُورِهِ عَنْهُ، وَيُزِيدُ هَذَا الْحَالَ فِي النَّفْسِ تَذَكُّرُ الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ، وَمَا رَتَّبَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. هَذَا أَثَرُ التَّوْبَةِ فِي النَّفْسِ، وَهَذَا الْأَثَرُ يُزْعِجُ التَّائِبَ إِلَى الْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ تُضَادُّ ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي تَابَ مِنْهُ وَتَمْحُو أَثَرَهُ السَّيِّئَ (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (١١: ١١٤)
فَمِنْ عَلَامَةِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ الْإِتْيَانُ بِأَعْمَالٍ تَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ، وَمَا كَانَتْ لِتَأْتِيَهَا لَوْلَا ذَلِكَ الشُّعُورُ الَّذِي يُحْدِثُهُ الذَّنْبُ، وَهَذِهِ الْعَلَامَةُ لَا تَتَخَلَّفُ عَنِ التَّوْبَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الذَّنْبُ مَعَ اللهِ - تَعَالَى - أَوْ مَعَ النَّاسِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْوَنَ مَا يَكُونُ مِنْ إِنْسَانٍ يُذْنِبُ مَعَ آخَرَ يُبَاهِي بِهِ أَنْ يَجِيءَ مُعْتَرِفًا بِالذَّنْبِ مُعْتَذِرًا عَنْهُ؟ وَهَذَا ذُلٌّ يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ أُمِرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِأَشَقِّ الْأَعْمَالِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.