فَإِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَالرِّمَايَةَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَعَايِبِ الَّتِي تُزْرِي بِالْعَالِمِ وَتَحُطُّ مِنْ قَدْرِهِ، وَهُمْ مَعَ هَذَا يَقْرَءُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ الْمُرَاهَنَةَ - وَهِيَ مِنَ الْقِمَارِ الَّذِي هُوَ مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ - فِي السِّبَاقَةِ وَالرِّمَايَةِ خَاصَّةً عِنَايَةً بِهِمَا وَتَرْغِيبًا لِلْأُمَّةِ فِيهِمَا فَهَذَا الْبُعْدُ عَنِ الدِّينِ مِمَّنْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ، هُوَ الَّذِي قَالَ الْجَاحِظُ: إِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا بِخِذْلَانٍ مِنَ اللهِ.
وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا حُكْمَ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْبَرَرَةِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَرْكَانِ الْبِرِّ.
قَالَ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) أَيْ: أُولَئِكَ الْأَبْرَارُ الرَّاسِخُونَ فِي أُصُولِ الْإِيمَانِ الْخَمْسَةِ وَالْمُنْفِقُونَ لِلْمَالِ فِي مَوَاضِعِهِ السِّتَّةِ، وَالْمُقِيمُونَ لِلصَّلَاةِ الرُّوحِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْمُؤْتُونَ لِلزَّكَاةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ أُمُورِ الْمِلَّةِ الْمَالِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَالْمُوفُونَ بِعُهُودِهِمُ الثَّلَاثَةِ: الدِّينِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ، وَالصَّابِرُونَ فِي مَوَاقِفِ الشِّدَّةِ الثَّلَاثَةِ - هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ فِي دَعْوَى الْإِيمَانِ دُونَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) الَّذِينَ تَشْهَدُ لَهُمْ بِالتَّقْوَى أَعْمَالُهُمْ وَأَحْوَالُهُمْ، وَالتَّقْوَى: أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ سَخَطِ اللهِ وِقَايَةً بِأَنْ تَتَحَامَى أَسْبَابَ خِذْلَانِهِ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابِهِ فِي الْآخِرَةِ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى
بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
ذَكَرَ الْمُفَسِّرُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى الْقَتْلِ كَانَ مُحَتَّمًا عِنْدَ الْيَهُودِ، وَأَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ مُحَتَّمَةً عِنْدَ النَّصَارَى، وَأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ وَسَطًا يَفْرِضُ الْقِصَاصَ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَيُجِيزُ الدِّيَةَ إِذَا عَفَوْا، وَقَدْ أَقَرَّهُمُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْقَتْلَ قِصَاصًا كَانَ حَتْمًا عِنْدَ الْيَهُودِ: كَمَا فِي الْفَصْلِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ التَّثْنِيَةِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: إِنِ الدِّيَةَ كَانَتْ حَتْمًا عِنْدَ النَّصَارَى ; فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ شَيْءٌ يُحَتِّمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ وَصَايَا التَّسَاهُلِ وَالْعَفْوِ وَجَزَاءِ الْإِسَاءَةِ بِالْإِحْسَانِ فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَكِنَّ أَخْذَ الدِّيَةِ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْجَزَاءِ يُنَافِي هَذِهِ الْوَصَايَا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.