فَإِنْ نَشَزَتْ عَنْ طَاعَتِهِ كَانَ لَهُ تَأْدِيبُهَا بِالْوَعْظِ وَالْهَجْرِ وَالضَّرْبِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ - إِنْ تَعَيَّنَ - تَأْدِيبًا، يَجُوزُ ذَلِكَ لِرَئِيسِ الْبَيْتِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْعَشِيرَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، كَمَا يَجُوزُ مِثْلُهُ لِقَائِدِ الْجَيْشِ وَلِرَئِيسِ الْأُمَّةِ (الْخَلِيفَةِ أَوِ السُّلْطَانِ) لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الِاعْتِدَاءُ عَلَى النِّسَاءِ لِأَجْلِ التَّحَكُّمِ أَوِ التَّشَفِّي أَوْ شِفَاءِ الْغَيْظِ فَهُوَ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا - إِلَى أَنْ قَالَ - فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلٌ لِهَذِهِ السُّلْطَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَخَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ لِذِكْرِ الْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ هَاهُنَا وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) إِعْطَاءُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى الرَّجُلِ مِثْلَ مَا لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَهْضُومَةَ الْحُقُوقِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَجَمِيعِ الْأُمَمِ. (وَالثَّانِي) جَعْلُ الرَّجُلِ رَئِيسًا عَلَيْهَا، فَكَأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْحَكِيمَةِ يَكُونُ مُنَازِعًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي عِزَّةِ سُلْطَانِهِ، وَمُنْكِرًا لِحِكْمَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ فَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْوَعِيدَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ كَمَا عَهِدَنَا مِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ.
(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
كَانَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقٌ وَمُرَاجَعَةٌ فِي الْعِدَّةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلطَّلَاقِ حَدٌّ وَلَا عِدَّةٌ فَإِنْ كَانَ لِمُغَاضَبَةٍ عَارِضَةٍ عَادَ الزَّوْجُ فَرَاجَعَ وَاسْتَقَامَتْ عِشْرَتُهُ، وَإِنْ كَانَ لِمُضَارَّةِ الْمَرْأَةِ رَاجَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَاسْتَأْنَفَ طَلَاقًا. ثُمَّ يَعُودُ إِلَى ذَلِكَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، أَوْ يَفِيءَ وَيَسْكُنَ غَضَبُهُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أُلْعُوبَةً بِيَدِ الرَّجُلِ يُضَارُّهَا بِالطَّلَاقِ مَا شَاءَ أَنْ يُضَارَّهَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَصْلَحَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ أُمُورِ الِاجْتِمَاعِ. وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ وَأَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ قَالَتْ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ امْرَأَتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ وَأَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: وَاللهِ لَا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي، وَلَا آوِيكِ أَبَدًا، قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.