(١) النوع السادس من أنواع الرواية: (الإعلام) بأن يخبر الشيخ بعض الرواة بأن هذا الحديث أو الكتاب - مثلًا - من روايته، ولا يصحب هذا الإخبار إجازة له أو إذن بروايته. والذي اختاره الناظم ونقل تصحيحه -: أن الرواية بهذه الصفة لا تجوز، والقائلون بذلك قاسوه على (الشهادة على الشهادة) فإنها لا تصح إلا إذا أذن الشاهد الأول للثاني بأن يشهد على شهادته. وقال كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين بجواز الرواية بالإعلام من غير إجازة، بل أجازوا الرواية به وإن منع الشيخ الرواية بذلك، فلو قال الشيخ للراوي: "هذه روايتي ولكن لا تروها عني، أولا أجيزها لك" جاز له مع ذلك روايتها عنه. قال القاضي عياض: "وهذا صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه أن لا يحدث بما حدثه - لا لعلة ولا لريبة -: لا يؤثر، لأنه قد حدثه، فهو شيء لا يرجع فيه" وأجاب القاضي عن القياس على الشهادة بأن: "هذا القياس غير صحيح، لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلّا مع الإذن في كل حال، والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق. وأيضًا: فالشهادة تفترق من الرواية في أكثر الوجوه". والذي اختاره عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح. بل إن الرواية على هذه الصفة أقوى وأرجح عندي من الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة، لأن في هذه شبه مناولة، وفيها تعيين للمروي بالإشارة إليه، ولفظ الإجازة لن يكون - وحده - أقوى منها ولا مثلها، كما هو واضح. (٢) هذان نوعان آخران من الرواية. أما ثانيهما وهو (الوجادة) فإنه على التحقيق ليس نوعًا من الرواية، وسنرجئ الكلام عليه لآخر الباب. وأما الأول وهو (الوصية) فهو: أن يوصي الشيخ عند سفره أو عند موته لشخص بكتاب يرويه عنه. وقد أجاز ذلك بعض السلف. قال ابن الصلاح (ص ١٦٧): "وهذا بعيد جدًّا، وهو إما زلة عالم، أو متأول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة التي يأتي شرحها، إن شاء الله تعالى. وقد احتج بعضهم لذلك فشبهه بقسم الإعلام وقسم المناولة. ولا يصح ذلك، فإن لقول مَنْ جوّز الرواية بمجرد الإعلام والمناولة مستندًا ذكرناه، لا يتقرر مثله ولا قريب منه هنا". وهو يشير بذلك إلى احتجاج القاضي عياض لصحتها بأن في إعطاء الوصية للموصى له نوعًا من الأذن وشبهًا من العرض والمناولة، وأنه قريب من الإعلام. وهذا النوع من الرواية نادر الوقوع، ولكنا نرى أنه إن وقع صحت الرواية به، لأنه نوع من الإجازة، إن لم يكن أقوى من الإجازة المجردة، لأنه إجازة من الموصي للموصى له برواية شيء معين مع إعطائه إياه، ولا نرى وجهًا للتفرقة بينه وبين الإجازة، وهو في معناها، أو داخل تحت تعريفها. كما يظهر ذلك بأدنى تأمل. (٣) في كل أنواع الرواية في الحديث - من السماع إلى الإجازة -: يجب على الراوي العمل بما صح إسناده عنده من روايته من غير خلاف، وإن خالف في ذلك المقلدون المتأخرون، وخلافهم لا عبرة به، لأنهم يقرون على أنفسهم بالتقليد، وبأنهم تركوا النظر والاستدلال، وتبعوا غيرهم. =