. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّفْظِ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ " وَلَا تَنَافَسُوا " مِنْ الْمُنَافَسَةِ وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيْءِ وَمَحَبَّةِ الِانْفِرَادِ بِهِ وَيُقَالُ نَافَسْت فِي الشَّيْءِ مُنَافَسَةً وَنِفَاسًا إذَا رَغِبْت فِيهِ وَالنَّهْيُ عَنْهَا نَهْيٌ عَنْ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا وَحُظُوظِهَا.
(وَالثَّالِثُ): النَّهْيُ عَنْ التَّبَاغُضِ، وَهُوَ تَفَاعُلٌ، وَفِيهِ مَا فِي " تَحَاسَدُوا " مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّقَابُلِ فِي الْمُبَاغَضَةِ وَالِانْفِرَادِ بِهَا بِالْأَوْلَى، وَهُوَ نَهْيٌ عَنْ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ؛ لِأَنَّ الْبُغْضَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ سَبَبٍ، وَالذَّمُّ مُتَوَجَّهٌ إلَى الْبَغَاضَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَمَّا مَا كَانَتْ لِلَّهِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، فَإِنَّ الْبُغْضَ فِي اللَّهِ، وَالْحُبَّ فِي اللَّهِ مِنْ الْإِيمَانِ بَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ حُصِرَ الْإِيمَانُ عَلَيْهِمَا.
(الرَّابِعُ): النَّهْيُ عَنْ التَّدَابُرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ لَا تُهَاجَرُوا فَيَهْجُرُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَوْلِيَةِ الرَّجُلِ لِلْآخَرِ دُبُرَهُ إذَا أَعْرَضَ عَنْهُ حِينَ يَرَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ تَدَابَرَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضَ أَعْرَضَ، وَمَنْ أَعْرَضَ وَلَّى دُبُرَهُ، وَالْمُحِبُّ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَأْثِرُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْآخَرِ. وَسُمِّيَ الْمُسْتَأْثِرُ مُسْتَدْبِرًا؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّي دُبُرَهُ حِينَ يَسْتَأْثِرُ بِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْنَى التَّدَابُرِ الْمُعَادَاةُ تَقُولُ: دَابَرْتُهُ أَيْ عَادَيْتُهُ وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ الزُّهْرِيِّ: التَّدَابُرُ الْإِعْرَاضُ عَنْ السَّلَامِ يُدْبِرُ عَنْهُ بِوَجْهِهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ وَهِيَ (يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ صُدُورَ السَّلَامِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا يَرْفَعُ الْإِعْرَاضَ.
(الْخَامِسُ): النَّهْيُ عَنْ الْبَغْيِ إنْ كَانَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَعَنْ بَيْعِ بَعْضٍ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ تَحْرِيمَ بُغْضِ الْمُسْلِمِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَقَطِيعَتِهِ بَعْدَ صُحْبَتِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ شَرْعِيٍّ، وَالْحَسَدِ لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُعَامِلَهُ مُعَامَلَةَ الْأَخِ النَّسِيبِ، وَلَا يَبْحَثُ عَنْ مَعَايِبِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَاضِرِ، وَالْغَائِبِ، وَالْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ وَبَعْدَ هَذِهِ الْمَنَاهِي الْخَمْسَةِ حَثَّهُمْ بِقَوْلِهِ «وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: عِبَادَ اللَّهِ إلَى أَنَّ مِنْ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ الِامْتِثَالُ لِمَا أَمَرَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَعْنَى كُونُوا كَإِخْوَانِ النَّسَبِ فِي الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالْمُوَاسَاةِ، وَالْمُعَاوَنَةِ وَالنَّصِيحَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ زِيَادَةٌ " كَمَا أَمَرَ اللَّهُ " أَيْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْرٌ مِنْهُ تَعَالَى وَزَادَ الْمُسْلِمَ حَثًّا عَلَى إخْوَةِ الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» وَذَكَرَ فِي حُقُوقِ الْأُخُوَّةِ أَنَّهُ لَا يَظْلِمُهُ وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الظُّلْمِ وَتَحْرِيمُهُ وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا خُصَّ الْمُسْلِمُ لِشَرَفِهِ " وَلَا يَخْذُلُهُ "، وَالْخِذْلَانُ تَرْكُ الْإِعَانَةِ وَالنَّصْرِ وَمَعْنَاهُ إذَا اسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْعِ أَيِّ ضَرَرٍ أَوْ جَلْبِ أَيِّ نَفْعٍ أَعَانَهُ " وَلَا يُحَقِّرُهُ " وَلَا يَحْتَقِرُهُ وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ وَيَسْتَخِفُّ بِهِ. وَيُرْوَى " لَا يَحْتَقِرُهُ "، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَقَوْلُهُ «التَّقْوَى هَاهُنَا» إخْبَارٌ بِأَنَّ عُمْدَةَ التَّقْوَى مَا يَحِلُّ فِي الْقَلْبِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ وَإِخْلَاصِ الْأَعْمَالِ لَهُ. وَعَلَيْهِ دَلَّ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى أَجْسَامِكُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.