٥٧٥ - «وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمَا: لَا تَأْخُذُوا فِي الصَّدَقَةِ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرُ، وَالْحِنْطَةُ، وَالزَّبِيبُ، وَالتَّمْرُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ.
وَبَيْنَ مَا سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ وَحِكْمَتُهُ وَاضِحَةٌ وَهُوَ زِيَادَةُ التَّعَبِ وَالْعَنَاءِ فَنَقَصَ بَعْضُ مَا يَجِبُ رِفْقًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي قَلِيلِ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ وَكَثِيرِهِ الزَّكَاةُ وَهَذَا مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ.
فَالْجُمْهُورُ أَنَّ حَدِيثَ الْأَوْسَاقِ مُخَصِّصٌ لِحَدِيثِ سَالِمٍ وَأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا لَمْ يَبْلُغْ الْخَمْسَةَ الْأَوْسَاقِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا يُخَصُّ بَلْ يُعْمَلُ بِعُمُومِهِ فَيَجِبُ فِي قَلِيلِ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ وَكَثِيرِهِ وَالْحَقُّ مَعَ أَهْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْأَوْسَاقِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرَدَ لِبَيَانِ الْقَدْرِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا وَرَدَ حَدِيثُ مِائَتَيْ الدِّرْهَمِ لِبَيَانِ ذَلِكَ مَعَ وُرُودِ «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّهُ يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْفِضَّةِ وَكَثِيرِهَا الزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ يَجِبُ فِي الْقَلِيلِ مِنْهَا إذَا كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ النِّصَابُ كَمَا عَرَفْت وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» إلَّا لِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَأَمَّا قَدْرُ مَا يَجِبُ فِيهِ فَمَوْكُولٌ إلَى حَدِيثِ التَّبَيُّنِ لَهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَكَذَا هُنَا قَوْلُهُ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» أَيْ فِي هَذَا الْجِنْسِ يَجِبُ الْعُشْرُ وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ فِيهِ فَمَوْكُولٌ إلَى حَدِيثِ الْأَوْسَاقِ وَزَادَهُ إيضَاحًا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» كَأَنَّهُ مَا وَرَدَ إلَّا لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عُمُومِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ رُبُعُ الْعُشْرِ» كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقِيَّ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» ثُمَّ إذَا تَعَارَضَ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ كَانَ الْعَمَلُ بِالْخَاصِّ عِنْدَ جَهْلِ التَّارِيخِ كَمَا هُنَا فَإِنَّهُ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي الْأُصُولِ.
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمَا) حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ «لَا تَأْخُذَا فِي الصَّدَقَةِ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرُ وَالْحِنْطَةُ وَالزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ) وَالدَّارَقُطْنِيّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَهُوَ مُتَّصِلٌ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَرَ «إنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَذَكَرَهَا» قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: إنَّهُ مُرْسَلٌ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلَّا فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا غَيْرُ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالثَّوْرِيُّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.