تَعَالَى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: ٧٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: ٩٥] ، وَقَوْلُكَ: وَرَدَ صَرِيحًا أَنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ بِعِبَادَاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثُمَّ أَوْرَدْتَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ فَضْلًا عَنْ صَرَاحَةٍ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ الْأَذَانَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ بِهِ، وَحَدِيثُ سلمان ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرْتَ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ صَادِرًا عَنْ بَعْثَتِهِ إِلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُكَ: وَقَدْ قَاتَلَتِ الْمَلَائِكَةُ الْكُفَّارَ فِيهِ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ عَنْ عَدَمِ الْمُلَازَمَةِ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تُقَاتِلْ إِلَّا فِي بَدْرٍ خَاصَّةً، وَقَوْلُكَ: وَتَحْضُرُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا حَضَرَتْ لِكِتَابَةِ الْحَاضِرِينَ عَلَى طَبَقَاتِ مَجِيئِهِمْ وَذَلِكَ مِنَ التَّكْلِيفَاتِ الْكَوْنِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَظِيفَةُ الْمَلَائِكَةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي بُعِثَتْ بِهَا الرُّسُلُ، هَذَا آخِرُ الْجَوَابِ الْجَدَلِيِّ، وَأَمَّا الْجَوَابُ التَّحْقِيقِيُّ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي بِعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ، وَبِهَذَا جَزَمَ الحليمي وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا، ومحمود بن حمزة الكرماني فِي كِتَابِهِ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَقَلَ البرهان النسفي والفخر الرازي فِي تَفْسِيرَيْهِمَا الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ زين الدين العراقي فِي نُكَتِهِ عَلَى ابن الصلاح، والشيخ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَتَبِعْتُهُمَا فِي كِتَابِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ فِي الْحَدِيثِ، وَشَرْحِ الْكَوْكَبِ السَّاطِعِ فِي الْأُصُولِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ وَهَذَا الْقَوْلُ رَجَّحْتُهُ فِي كِتَابِ الْخَصَائِصِ، وَقَدْ رَجَّحَهُ قَبْلِي الشيخ تقي الدين السبكي وَزَادَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ إِلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: " «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً» " شَامِلٌ لَهُمْ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَرَجَّحَهُ أَيْضًا الْبَارِزِيُّ وَزَادَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَاسْتَدَلَّ بِشَهَادَةِ الضَّبِّ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَشَهَادَةِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ لَهُ، وَأَزْيَدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى نَفْسِهِ.
[ذِكْرُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي أَخَذْتُ مِنْهَا إِرْسَالَهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ]
هِيَ قِسْمَانِ: مَا يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْعُمُومُ، وَمَا يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْخُصُوصِ، فَالَّذِي يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: ١]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.