وإنْ قالوا: «إنها إنْ قُطِعتْ لم يَرقأْ دَمُها وأدَّى إلى التَّلفِ» لم تُقطَعْ وقُطعَ ما بعدَها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ السارِقَ أولُ ما يُقطعُ منه يَدُه اليُمنَى مِنْ مفصلِ الكَفِّ وهو الكُوعُ، وفي قِراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا﴾، وهذا إنْ كانَ قَراءةً وإلا فهوَ تَفسيرٌ، وقد رُويَ عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ ﵄ أنهُما قالَا: «إذا سَرقَ السارقُ فاقَطُعوا يَمينَه مِنْ الكُوعِ»، ولا مُخالِفَ لهُما في الصَّحابةِ، ولأنَّ البَطشَ بها أقوَى، فكانَتِ البِدايةُ بها أردَعَ، ولأنها آلةُ السرقةِ، فناسَبَ عُقوبتَه بإعدامِ آلتِها.
وإذا سَرقَ ثانيًا قُطِعتْ رِجلُه اليُسرَى، وبذلكَ قالَ الجَماعةُ، إلا عطاءً حُكِيَ عنه أنه تُقطَعُ يَدُه اليُسرَى؛ لقَولِه سُبحانَه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولأنها آلةُ السرقةِ والبَطشِ، فكانَتِ العُقوبةُ بقَطعِها أولَى، ورُويَ ذلكَ عن رَبيعةَ وداوُدَ، وهذا شُذوذٌ يُخالِفُ قولَ جَماعةِ فُقهاءِ الأمصارِ مِنْ أهلِ الفِقهِ والأثَرِ مِنْ الصَّحابةِ والتابعِينَ ومَن بعدَهم، وهو قَولُ أبي بَكرٍ وعُمرَ ﵄، وقد رَوى أبو هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ في السارقِ: «إذا سَرقَ فاقطَعُوا يَدَه، ثم إنْ سَرقَ فاقطَعُوا رِجلَه» (٢)، ولأنه في المُحارَبةِ المُوجِبةِ قطْعَ عُضوَينِ إنما تُقطَعُ يَدُه ورِجلُه ولا تُقطَعُ يَداهُ، فنَقولُ: جِنايةٌ أوجَبَتْ قطْعَ عُضوَينِ فكانَا رِجلًا ويَدًا كالمُحارَبةِ، ولأنَّ قطْعَ
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٨٣، ٢٨٤).(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١٧١٨٧).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.