ذلك، والأئِمَّةُ جَعَلوا الدَّافِعَ مُتبرِّعًا، حتى يُوجَدَ إذْنٌ بلِسانِ المَقالِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ دفعَ إنسانٌ ثَوبَه إلى قَصَّارٍ أو خيَّاطٍ ونَحوِهِما؛ كَصَبَّاغٍ؛ لِيَعمَلَه -أي: لِيُقصِّرَه، أو يَخِيطَه، أو يَصبُغَه، ونَحوِ ذلك- ولَو لَم تكُنْ لِلقَصَّارِ ونَحوِه عادةٌ بأخْذِ أُجرةٍ، ولَم يَعقِدْ عَقدَ إجارةٍ، صَحَّ، ولَه أُجرةُ مِثلِه؛ حَيثُ كانا مُنتَصبيْنِ لِذلك؛ وإلَّا لَم يَستَحقَّا أجْرًا إلَّا بشَرطٍ، أو عَقدٍ، أو تَعريضٍ بأجْرٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ عُرْفٌ يَقومُ مَقامَ العَقدِ، فهو كَما لَو عَمِلَ بغَيرِ إذْنِ مالِكِه.
أو استَعمَلَ إنسانٌ حَمَّالًا ونَحوَه، أو استَعمَلَ شاهِدًا -إنْ جازَ له أخْذُ أُجرةٍ، بأنْ عَجَزَ عن المَشيِ، أو تَأذَّى به؛ فلَه أخْذُ أُجرةِ مَركوبٍ- صَحَّ، ولَه أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّ العُرفَ الجاريَ بذلك يَقومُ مَقامَ القَولِ، كَتَعريضِ الدَّافِعِ بالأُجرةِ، أي: نَحوَ: خُذْه وأنا أعلَمُ أنَّكَ مُتعَيِّشٌ، أو خُذْه وأنا أُرضيكَ، ونَحوِه، ممَّا يَدلُّ على إعطاءِ الأُجرةِ.
وَكَذا دُخولُ حَمَّامٍ، ورُكوبُ سَفينةِ مَلَّاحٍ، وحَلْقُ رَأْسِه، وتَغسيلُه، وغَسْلُ ثَوْبِه، وشُرْبُه منه ماءً أو قَهوةً ونَحوَهما، مِنْ المُباحاتِ؛ فلَه أُجرةُ مِثلِه، ولَو لَم يكُنْ له عادةٌ بأخْذِ الأُجرةِ.
وَكَذا لَو دفعَ ثَوبًا إلى رَجُلٍ لِيَبيعَه؛ فالحُكمُ فيه كالحُكمِ في القَصَّارِ، والخيَّاطِ، إنْ كانَ مُنتَصبًا يَبيعُ لِلنَّاسِ بأجْرٍ؛ فلَه أجْرُ مِثلِه، نَصَّ عليه أحمَدُ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك فلا شَيءَ.
(١) «الذخيرة» (٩/ ٩٣، ٩٤).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.