وَلَنا: أنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبسَ المُسلِمِ عندَ الكافِرِ وإذلالَه له واستِخدامَه، أشبَهَ البَيعَ، يُحَقِّقُه أنَّ عَقدَ الإجارةِ لِلخِدمةِ يَتعيَّنُ فيه حَبْسُه مدَّةَ الإجارةِ واستِخدامُه، وأنَّ البَيعَ لا يَتعيَّنُ فيه ذلك؛ فإذا مُنِعَ منه فلَأنْ يُمنَعَ مِنْ الإجارةِ أَوْلَى.
فَأمَّا إنْ أجَّرَ نَفْسَه منه في عَملٍ مُعيَّنٍ في الذِّمةِ؛ كَخِياطةِ ثَوبٍ وقِصارَتِه جازَ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّ عَلِيًّا ﵁ أجَّرَ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَسقِي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ، وأخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك، فلَم يُنكِرْه، وكذلك الأنصاريُّ، ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ لا يَتضمَّنُ إذلالَ المُسلِمِ، ولا استِخدامَه، أشبَهَ مُبايَعَتَه، وإنْ أجَّرَ نَفْسَه منه لِعَملٍ غيرِ الخِدمةِ مدَّةً مَعلومةً جازَ أيضًا، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ لِقَولِه في رِوايةِ الأثرَمِ: وإنْ كانَ في عَملِ شَيءٍ جازَ.
وَنقلَ عنه أحمَدُ بنُ سَعيدٍ: لا بَأْسَ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ؛ وهذا مُطلَقٌ في نَوعَيِ الإجارةِ، وذكرَ بَعضُ أصحابِنا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ مَنْعُ ذلك، وأشارَ إلى ما رَواه الأثرَمُ واحتَجَّ بأنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبْسَ المُسلِمِ، أشبَهَ البَيعَ، والصَّحيحُ ما ذَكَرْنا، وكَلامُ أحمدَ؛ إنَّما يَدلُّ على خِلافِ ما قالَهُ: فإنَّه خَصَّ المَنْعَ بالإجارةِ لِلخِدمةِ، وأجازَ إجارَتَه لِلعَملِ، وهذا إجارةٌ لِلعَملِ، ويُفارِقُ البَيعَ؛ فإنَّ فيه إثباتَ المِلْكِ على المُسلِمِ، ويُفارِقُ إجارَتَه لِلخِدمةِ؛ لِتَضَمُّنِها الإذلالَ (١).
(١) «المغني» (٥/ ٣٢٢، ٣٢٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٣٨، ٣٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٥٨، ٦٥٩)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦١٥).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.