للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم، وكنت أقرأ من الشفاء نوبة. وكان يقرأ غيري من القانون نوبة. وكان يقرأ فإذا فرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم وهيئ مجلس الشراب بآلاته، وكنا نشتغل به، وكان التدريس بالليل لعدم الفراغ من النهار خدمة للأمير، فقضينا على ذلك زمنًا، ثم توجه شمس الدولة إلى صارم لحرب الأمير بهاء الدولة، وعاوده القولنج قريب ذلك الموضع واشتد عليه، وانضاف إلى ذلك أمراض أخر جلبها سوء تدبير، وقلة القبول من الشيخ، فخاف العسكر وفاته فرجعوا طالبين به همدان في المهد، فتوفي في الطريق في المهد. ثم بويع ابن شمس الدولة، وطلبوا استيزار الشيخ فأبى عليهم وكاتب علاء الدولة سرًا يطلب خدمته، والمصير إليه، والانضمام إلى جوانبه. وأقام في دار أبي غالب العطار متواريًا، وطلبت منه اتمام كتاب كتاب الشفاء، فاستحضر أبا غالب، وطلب الكاغد والمحبرة فأحضرهما، وكتب الشيخ في عشرين جزءًا على ثمن بخط رؤوس المسائل. وبقي فيه يومين حتى كتب رؤوس المسائل كلها، بلا كتاب يحضره، ولا أصل يرجع إليه، بل من حفظه، وعن ظهر قلبه. ثم ترك الشيخ تلك الأجزاء بين يديه وأخذ الكاغد، فكان ينظر في كل مسألة، ويكتب شرحها، وكان يكتب في كل يومين خمسين ورقة حتى أتى على جميع الطبيعيات والإلهيات ما خلا كتابي الحيوان والنبات. وابتدأ بالمنطق فكتب منه جزءًا. ثم اتهمه تاج الملك بمكاتبته علاء الدولة، فأنكر عليه ذلك، وحث في طلبه فدل عليه بعض أعدائه، فأخذوه وأأدوه وأرسلوه إلى قلعة يقال لها فردجان وأنشد هناك قصيدة منها: [من الكامل]

دُخُولٌ باليقين كما تَرَوهُ … وكلُّ الشَّك في أمر الخروج

وبقي فيها أربعة أشهر. ثم قصد علاء الدولة همذان وأخذها، وانهزم تاج الملك ومر إلى تلك القلعة بعينها. ثم رجع علاء الدولة عن همذان، وعاد تاج الملك وابن شمس الدولة إلى همذان وحملوا معهم الشيخ إلى همذان ونزل في دار العلوي، واشتغل هناك بتصنيف المنطق من كتاب الشفاء، وكان قد صنف بالقلعة كتاب الهدايات، ورسالة حي بن يقظان، وكتاب القولنج. وأما الأدوية القلبية فإنه صنفها أول وروده إلى همذان، وكان قد تقضى على هذا زمان وتاج الملك في أثناء هذا يمنيه بمواعيد جميلة، ثم عنّ للشيخ التوجه إلى أصفهان، فخرج متنكرًا وأنا وأخوه وغلامان في زي الصوفية إلى أن وصلنا إلى طبران على باب أصفهان، بعد أن قاسينا شدائد في الطريق، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ، وندماء الأمير علاء الدولة وخواصه، وحمل إليه الثياب والمراكب الخاصة، وأنزل في محلة يقال لها كونكبيد في دار عبد الله بن بيبي،

<<  <  ج: ص:  >  >>