للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المظان، وأبدل بسواد المعزى بياض الضّان، وأعطاه أهل زمانه حقه في التعظيم وغمط، وناظر كل قرين وهو الجدي وغيره الذي سمط، فهادنته جناة الذئاب، وهابته جناة القرظ وطال عليهم الاياب، وجال في الجيل الأول وقد شمخ بقرنه، وسمج لقرنه، وجل فلم ينتسب إليه كل عنزي من عنزة، ولا حسب كفوءًا لقرنه كبش كتيبة، ولا حديد عنزة، وأنسى كل من تقدمه هديا، وفخر به كل بلد قدمه وقدمت دمشق جديًا، وعلم العلم أنه له منتصب، وقامت قامة بلده وقد قيل لها حدباء؛ لأنها تصحيفه إذا نصب.

قال ابن أبي أصيبعة (١): كان مشهورًا بالعلوم، متحليًا بالفضائل، مليح العبارة، جيد التصنيف. وكان متميزًا في النحو واللغة والعربية، عارفًا بعلم الكلام والطب. وكان قد اعتنى كثيرًا بصناعة الطب لما كان بدمشق واشتهر بعلمها. وكان يتردد إليه جماعة من التلاميذ وغيرهم من الأطباء للقراءة عليه؛ وكان والده قد أشغله بصناعة الحديث في صباه. وكان يوسف والد الشيخ موفق الدين مشتغلًا بعلم الحديث، بارعًا في علوم القرآن والقراءات، محمودًا في المذهب والخلاف والأصول. وكان سليمان عم الشيخ موفق الدين فقيهًا مجيدًا. وكان الشيخ موفق الدين عبد اللطيف كثير الاشتغال لا يخلي أشياء من أوقاته من النظر في الكتب والتصنيف والكتابة والذي وجدته من خطه أشياء كثيرة جدًا بحيث إنه كتب من مصنفاته نسخًا متعددة، وكذلك صحبة كثيرة بالديار المصرية لما كان بها. وكان أبي وعمي اشتغلا عليه بعلم الأدب. واشتغل عليه عمي أيضًا بكتب أرسطوطاليس. وكان الشيخ موفق الدين كثير العناية بها، والفهم لمعانيها.

وأتى إلى دمشق من الديار المصرية، وأقام بها مدة وكثر انتفاع الناس بعلمه. ورأيته في آخر مرة بدمشق، وهو شيخ نحيف الجسم، ربع القامة، حسن الكلام، جيد العبارة؛ وكانت مسطرته أبلغ من لفظه وكان ربما تجاوز في الكلام لكثرة ما يرى في نفسه. وكان ينتقص الفضلاء الذين في زمانه وكثيرًا من المتقدمين. وكان وقوعه كثيرًا جدًا في علماء العجم ومصنفاتهم، وخصوصًا الشيخ الرئيس ابن سينا ونظرائه.

ونقلت من خطه في سيرته التي ألفها ما هذا مثاله قال: «إني ولدت بدار الجدي في درب الفالوذج في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وتربيت في حجر الشيخ لا أعرف


= رقم ٣٧٨، والعسجد المسبوك ٢/ ٤٥٠، وبغية الوعاة ٢/ ٣١١ رقم ١٥٥٥، وكشف الظنون ٣٠ وغيرها، وشذرات الذهب ٥/ ١٣٢، وهدية العارفين ١/ ٦١٤، وديوان الإسلام ٤/ ١٥٥ - ١٥٧ رقم ١٨٧٤، والأعلام ٤/ ٦١، ومعجم المؤلفين ٦/ ١٥، وتاريخ الإسلام (السنوات ٦٢١ - ٦٣٠ هـ) ص ٣٥٣ رقم ٥٢٢.
(١) عيون الأنباء ٦٨٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>