للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أحقًا بأنَّ البحرَ خَفَّ مَعِينُه … وأَنَّ وقَوُرَ الطَّوْدِ خَفَّ رَزِينُهُ

أحقًا بأنَّ السيف أغُمِدَ حَدُّهُ … بطيفِ كَرى ليستْ تَنامُ جُفُونُهُ

أحقًا بأنَّ الشمس غاب ضياؤُها … وقد بانَ مِنْ بدر التمام جبينه

أحقًا بأنَّ النَّوْءَ أَقلع نائيًا … وآلى يَمِينًا لا تجُودُ يَمينُهُ

أحقًا بأنَّ الدُّرَّ آنَ ابتذالُهُ … وأَهوى مِنَ الجَفْنِ القريح ثمينه

أحقًا بأنَّ العِلْمَ خَفَّ نَبَاتُهُ … وأَضحى فما فات عليهِ غُصُونُهُ

أحقًا لقد غاض الندى بكمالِهِ … نَعَمْ ومَضَى تحتَ التَّرَابِ خَدِينُهُ

أحقًا دعا داعي الرَّدى عَلَمَ الهُدى … أم الدهر بالعلياءِ جُنَّ جُنُونُهُ

لقدْ خَرَّ في المحرابِ تقوى منيبة … وفي صدر إيوان القضاء مبينه

مضى بجلال الدين كلُّ فضيلة … وأعظمها عند المفاخر دينه

مضى طاهر الأثواب ما شانَ عِرضَهُ … حسودٌ إذا ما شاءَ شَينًا يَرِينُهُ

مضى وهو ملءُ الدَّستِ صَدرًا مُعظمًا … يطولُ إليهِ شوقه وحنينه

إذا ما يراع الخَطَّ صَرّ صريره … فما ذاك إلا للعويل أنينه

نَعَى باسمه الناعي فما شك سامع … بأنَّ انقضاء الدهر قد حان حينه

تغيَّرَ ضَوء الصبح يوم وفاتِهِ … فلم يبقَ في الآفاقِ مَنْ يَستبينُهُ

كأن جلال الدين ما كانَ في الوَرَى … إمامًا لهم حتى أتته مَنونُهُ

فتي دلفي في الأبُوَّةِ جَدُّهُ … أبو دُلفٍ هلْ شِبْهُهُ أو قرينه

سَقَى قبرَهُ الوضاح مثلَ بَنانِهِ … سَكُوبُ الغَوادي لا تغبُ هُتُونُهُ

يضاحكه بالسفح بارقُ ليلِهِ … تغازله تحت الظلام جُفُونُهُ

فهل بعد هذا اليوم يَدَّخِرُ الفتى … بُكاءً عزيزًا عندَهُ لا يُهِينُهُ

أرى الخطباء اليوم بعدَكَ أُلبِسوا … حِدادًا عليهم في الملابس جُونُهُ

أرى منصب الحكم العزيز تضاءلت … معاليه وأرفضت عليكَ مُتُونه

أرى المنبر العالي استكن لما به … وكان به فوق السُّها مستكينه

أرى قلم الافتاء قد فات وقتُهُ … وكانَ نَضيرَ الغُصن تُجبَى فُنُونُهُ

أرى منطق التدريس أُخرِسَ نُطْقُهُ … وأصبحَ إِنْ قال النُّهى لا تبينه

أرى مجلس التصدير أقوتُ رِحَابُهُ … ولَمْ يَرْضَ إِيداع الصُّدُورِ ضَنينُهُ

لقد أغلق التصنيف أبوابَ كُتْبِهِ … وأغفتْ لأحداث الزمان عيونه

فَمَنْ للمُرَّبِّي خابَ ما كانَ يَرتَجي … وماتَ أريجي كريم يُعينُهُ

لعمرك ما يُجدي الحنين على امريء … تَحُطُّ بأكناف القبورِ ظُعُونُهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>