أحقًا بأنَّ البحرَ خَفَّ مَعِينُه … وأَنَّ وقَوُرَ الطَّوْدِ خَفَّ رَزِينُهُ
أحقًا بأنَّ السيف أغُمِدَ حَدُّهُ … بطيفِ كَرى ليستْ تَنامُ جُفُونُهُ
أحقًا بأنَّ الشمس غاب ضياؤُها … وقد بانَ مِنْ بدر التمام جبينه
أحقًا بأنَّ النَّوْءَ أَقلع نائيًا … وآلى يَمِينًا لا تجُودُ يَمينُهُ
أحقًا بأنَّ الدُّرَّ آنَ ابتذالُهُ … وأَهوى مِنَ الجَفْنِ القريح ثمينه
أحقًا بأنَّ العِلْمَ خَفَّ نَبَاتُهُ … وأَضحى فما فات عليهِ غُصُونُهُ
أحقًا لقد غاض الندى بكمالِهِ … نَعَمْ ومَضَى تحتَ التَّرَابِ خَدِينُهُ
أحقًا دعا داعي الرَّدى عَلَمَ الهُدى … أم الدهر بالعلياءِ جُنَّ جُنُونُهُ
لقدْ خَرَّ في المحرابِ تقوى منيبة … وفي صدر إيوان القضاء مبينه
مضى بجلال الدين كلُّ فضيلة … وأعظمها عند المفاخر دينه
مضى طاهر الأثواب ما شانَ عِرضَهُ … حسودٌ إذا ما شاءَ شَينًا يَرِينُهُ
مضى وهو ملءُ الدَّستِ صَدرًا مُعظمًا … يطولُ إليهِ شوقه وحنينه
إذا ما يراع الخَطَّ صَرّ صريره … فما ذاك إلا للعويل أنينه
نَعَى باسمه الناعي فما شك سامع … بأنَّ انقضاء الدهر قد حان حينه
تغيَّرَ ضَوء الصبح يوم وفاتِهِ … فلم يبقَ في الآفاقِ مَنْ يَستبينُهُ
كأن جلال الدين ما كانَ في الوَرَى … إمامًا لهم حتى أتته مَنونُهُ
فتي دلفي في الأبُوَّةِ جَدُّهُ … أبو دُلفٍ هلْ شِبْهُهُ أو قرينه
سَقَى قبرَهُ الوضاح مثلَ بَنانِهِ … سَكُوبُ الغَوادي لا تغبُ هُتُونُهُ
يضاحكه بالسفح بارقُ ليلِهِ … تغازله تحت الظلام جُفُونُهُ
فهل بعد هذا اليوم يَدَّخِرُ الفتى … بُكاءً عزيزًا عندَهُ لا يُهِينُهُ
أرى الخطباء اليوم بعدَكَ أُلبِسوا … حِدادًا عليهم في الملابس جُونُهُ
أرى منصب الحكم العزيز تضاءلت … معاليه وأرفضت عليكَ مُتُونه
أرى المنبر العالي استكن لما به … وكان به فوق السُّها مستكينه
أرى قلم الافتاء قد فات وقتُهُ … وكانَ نَضيرَ الغُصن تُجبَى فُنُونُهُ
أرى منطق التدريس أُخرِسَ نُطْقُهُ … وأصبحَ إِنْ قال النُّهى لا تبينه
أرى مجلس التصدير أقوتُ رِحَابُهُ … ولَمْ يَرْضَ إِيداع الصُّدُورِ ضَنينُهُ
لقد أغلق التصنيف أبوابَ كُتْبِهِ … وأغفتْ لأحداث الزمان عيونه
فَمَنْ للمُرَّبِّي خابَ ما كانَ يَرتَجي … وماتَ أريجي كريم يُعينُهُ
لعمرك ما يُجدي الحنين على امريء … تَحُطُّ بأكناف القبورِ ظُعُونُهُ