للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قُلْ للمنازل بالظَّهْرانِ قد حانا … أن تنطقي فتبيني اليوم تبيانا

قال جرير: ما رؤي يومًا أحسن منه، وما بلغني أن أحدًا تشاغل عن غنائه بشيء، ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ، ولقد تبادر الناس من المدينة وما حولها حيث بلغهم الخبر؛ لاستماع غنائه، فما يقال: إنه ما رؤي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك اليوم، ولقد رفع الناس أصواتهم: أحسنت والله!، أحسنت والله!، ثم انصرفوا حوله يزفونه إلى المدينة.

قال علي بن الجهم: حدثني رجل أن ابن عائشة كان واقفًا بالموسم متحيرًا فمر رجل من بعض أصحابه، فقال له: ما يقيمك ههنا؟، قال: إني أعرف رجلًا لو تكلّم، لحبس الناس، فقال له الرجل: ومن ذاك؟ قال: أنا، ثم اندفع يغني: (١) [من الوافر]

جَرَتْ سُنْحًا فقلتُ لها: أجيرى … نوى مشمولة فمتى اللقاء

قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل، ومدت الإبل أعناقها، وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به هشام (٢)، فقال: يا عدوَّ الله أردت أن تفتن الناس، فأمسك عنه. وكان تياهًا، فقال له هشام: ارفق بتيهك يا ابن عائشة، فقال: حق لمن كانت هذه مقدرة أن القلوب أن تبكيه. فضحك منه، وخلى سبيله.

قال عمر بن شبة؛ قال شيخ من تنوخ كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد فرأيتُ عنده ابن عائشة قد غَنّاه (٣): [من الكامل]

إنِّى رأيتُ عَشيَّةَ النَّفْرِ … حُوْرًا نَعَشْنَ عَزَائِمَ الصَّبْرِ

مثل الكواكب في مطالعها … بعد العشاء أَطَفْنَ بالبَدْرِ

وخرجت أبغي الأجر مُحتسبًا … فرجعت موقورًا مِنَ الوِزْرِ

قال: فطرب حتى كفر وألحد، فقال: يا غلام اسقنا بالسماء الرابعة، وكان الغناء يعمل فيه عملًا يضل عنه رشده من بعده، ثم قال: أحسنت والله يا أمير المؤمنين أعد بحق فلان حتى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي فأعاد، فقام إليه، فلم يبق عضو من أعضائه إلا قبله وأهوى إلى هنه، وضمّ فَجذبه، فقال: و [الله] العظيم لا تريم حتى أقبله، فأبداه له فقبله، ثم نزع ثيابه، فألقاها على ابن عائشة، وبقي مجردًا إلى أن أتوه بغيرها، ووهب له ألف دينار، وحمله على بغلة، فقال: اركبها بأبي أنت


(١) البيت لزهير بن أبي سلمى، انظر: دوانه ٥٩.
(٢) الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.
(٣) الأبيات لرجل من قريش، انظر: الأغاني ٢/ ٢١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>