يعني بعبد الله الثاني المأمون، وتغنت فيه جارية لحنًا من الثقيل الأول، وسمعه المأمون منها، فاستحسنه، ووصله وإياها، فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فغاظه، وقال:
أجل صنعنا المعروف إلى غير أهله، فضاع.
[٣٤] معبد اليقطيني (١)
مطرب كم أخذ عنه صوت، ومجيد كم استدرك به لمعبد الأول فوت، وإن قيل:
وَمَا قَصَبَاتُ السَّبْقِ إِلَّا لِمَعْبَدِ
وغنى الأول أنه أعرب قيل ذلك له، وللثاني منه ما أطرب، ثم صل لبيبًا، وقتل كثيبًا، وفعل بالغناء ما يفعل بالناي. كان أطيب من العود أنفاسًا وأقرب إيناسًا، يختلب الألباب، ويستلب العقول للأحباب، ويجتلب الهوى لذكر زينب اجتلاب الرباب.
قال أبو الفرج، قال عبد الله بن أبي سعيد: حدثني معبد غلام ابن يقطين. قال:
كنت منقطعًا إلى البرامكة أخدمهم وألازمهم، ولا أفارقهم، فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا بابي يدق، فخرج غلامي، ثم رجع، فقال: على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل علي شاب ما رأيت أحسن وجهًا، ولا أنظف ثوبًا، ولا أجمل زيًا منه عليه آثار السقم ظاهرة، فقال لي: إني أخاف لقاك مذ مدة فلا أجد إليه سبيلًا. إن لي حاجة، قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي، ثم قال: أسألك أن تقبلها، وتصنع في بيتين قلتهما لحنًا تغنيني به، قلت: هاتها، فأنشدني (٢):
(١) معبد اليقطيني: كان معبد اليقطيني غلامًا مولدًا خلاسيًا من مولدي المدينة. اشتراه بعض ولد علي بن يقطين وقد شدا بالمدينة، وأخذ الغناء عن جماعة من أهلها، وعن جماعة أخرى من عليه المغنين بالعراق في ذلك الوقت، مثل اسحق، وابن جامع وطبقتهما. ولم يكن فيما ذكر بطيب المسموع ولا خدم احدا من الخلفاء الا الرشيد ومات في ايامه. وكان أكثر انقطاعه إلى البرامكة. ترجمته في الأغاني ١٤/ ١١٥ - ١١٩. (٢) الأغاني ١٤/ ١١٦.