للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكيف بظلم جارية … ومنها اللين والرّحم

فخلوت في بعض المجالس، وما زلت أديره حتى استقام، ثم خرجت إليه، وعلى رأسه وصيفة، وبيدها كأس، وهو يروم شربه، فلا يقدر خُمارًا، فقال: ما صنعت؟، قلتُ: قد فرغت مما أمرت به، وغنيته فصاح هذا والله؟ ووثب قائمًا، وأخذ الكأس، وقال: أعد فديتك، فأعدته عليه، فشرب، ودعا ثانية وثالثًا ورابعًا، وهو على حاله يشرب قائمًا حتى كاد أن يسقط، وجلس ونزع الخاتم والحلة التي كانت عليه، وألبسنيها، وأجلسني في حجره، وقال: و [الله] العظيم لا تبرح هكذا حتى أسكر، وما زلت أعيده ويشرب حتى مال على جنبه سُكرًا، ونام.

[٥٥] أحمد بن يحيى المكي (١)

أطنب، فأطرب، وأعرب، فأغرب، وجمع شتى الأصوات وزينها، وأتى بالغرائب وحسنها، وانهل منه صيت لا يعرف الإمساك، وتدفق سَكُوبٌ لو كنت تتذكر معه البحر لأنساك، تقدم في أهل صناعته حتى كان لا يراهم إلا إذا التفت وفرغ منهم حاجة الجلساء حتى تمسكت به، فاكتفت.

قال أبو الفرج: قال جحظة: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي، قال: ناظر أبي بعض المغنين ليلة بين يدي المعتصم، وطال تلاحيهما في الغناء، فقال للمعتصم: يا أمير المؤمنين من شاء منهم فليغن عشرة أصوات، لا أعرف فيها ثلاثة، وأن أغني عشرة وعشرة وعشرة، لا يعرف أحد منهم صوتًا منها، فقال إسحاق: صدق يا أمير المؤمنين واتبعه ابن بسخنر وعلوية، فقالا: صدق إسحاق يا أمير المؤمنين فأمر له بعشرة آلاف درهم.

قال محمد: ثم عاد ذلك الرجل إلى مماطلته يومًا، فقال: قد دعوتك إلى النصفة


(١) أحمد بن يحيى بن مرزوق المكي، ويكنى أبا جعفر، وكان يلقب ظنينًا، وقد تقدم ذكر أبيه وأخباره بترجمة رقم ٥٢، وهو أحد المحسنين المبرزين الرواة للغناء المحكمي الصنعة.
وكان إسحق يقدمه ويؤثره، ويشيد بذكره، ويجهر بتفضيله، وكتابه المجرد في الأغاني ونسبها، أصل من الأصول المعول عليها. وما اعرف كتابًا بعد كتاب إسحق الذي ألفه كتابًا يقارب كتابه، ولا يقاس به. وكان مع جودة غنائه، وحسن صنعته أحد الضراب الموصوفين المتقدمين توفي أحمد بن يحيى المكي في خلافة المستعين في أولها.
ترجمته في: الأغاني ١٦/ ٣٣٦ - ٣٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>