أحوج، فتقول المرأة: هذا ما لا أمر مستور فيجامعها حتى إذا قضى لذته منها، قال لها: أما أنت فقد استرحت وأمنت العيب، وبقيت أنا.
ثم يجيء إلى الزوج فيقول له: قد وعدتها أن تدخل إليك الليلة، وأنت رجل غريب عَزَب، ونساء أهل المدينة يردن المطاولة، وكأني بك لما تقربها تفرغ وتقوم، فتبغضك وتمقتك، ولو أعطيتها الدنيا لا تنظر في وجهك بعدها. ولا يزال في مثل هذا القول حتى يعلم أنه قد هاجت شهوته، فيقول: تطلب زنجية تجامعها مرتين ثلاثة حتى يسكن عليك، فإذا دخلت الليلة بأهلك، لم يجر أمرك إلا جميلًا، فيقول له: أعوذ بالله من هذا الحال زنى وزنجية؟ لا والله ما أفعل، فإذا أكثر محاورته، فيقول له: قم فافعل بي أنا حتى تسكن غلمتك وشبقتك، فيفرح ويفعل ذلك مرة أو مرتين، فيقول له: قد استوى أمرك، وطابت نفسك، فتدخل على زوجتك فتجامعها مجامعة تملأها سرورًا ولذة. فيقرب المرأة قبل زوجها، والرجل قبل امرأته. فكان ذلك دأبه فبلغ سليمان بن عبد الملك - وكان غيورًا - فأمر بأن يخصى هو وسائر المخنثين، وقال: إنَّ هؤلاء لا يدخلون على نساء قريش ويفسدونهن، فورد الكتاب على ابن حزم.
وقد قيل: إن الذي هيج سليمان بن عبد الملك على ما فعله بمن كان بالمدينة من المخنثين، أنه كان مستلقيًا على فراشه في الليل، وجارية إلى جانبه، وعليها غلالة ورداء معصفران، وعليها وشاحان من ذهب، وفي عنقها فضلات من حبّ اللؤلؤ وزبرجد وياقوت، وكان سليمان بها مشغوفًا، وفي عسكره رجل يقال له سمير الأيلي يغني، فلم يفكر سليمان في غنائه شغلًا بها، وإقبالًا عليها، وهي لاهية عنه لا تجيبه، مصغية إلى الرجل حتى طال ذلك على سليمان، فحوّل وجهه مغضبًا، وعاد إلى ما كان من همه بها، فسمع سميرًا يغني بأحسن صوت، وأطيب نغمة (١): [من البسيط]
محجوبة سمعت صوتي فأرَّقَها … مِنْ آخر الليل لما طلها السَّحَرُ
تدني على جِيدِها رُدْنَي مُعَصْفَرَة … والحَلْي منها على لَبَّاتِها خَضِرُ
في ليلة النصف ما يدري مُضاجَعُها … أَوَجْهُها عنده أبهى أمِ القَمَرُ
لو خُلّيتُ لَمَشَتْ نحوي على قَدَمٍ … يكادُ من رِقَّةٍ للمشي تنفطِرُ
قال: فلم يشك سليمان أن الذي بها مما سمعت، وأنها تهوى سميرًا، فوجه من وقته بمن أحضره، ودعا لها بالسيف والنطع، وقال لها: والله لتصدقيني أو لأضربن عنقك؟، قالت: سلني عما تريد قال: أخبريني عما بينك وبين هذا الرجل،