من النوح، وشبهه به مال إلى الأرمال والأهراج، فاستخفها الناس، وقال له الغريض.
يا أبا يحيى قصرت الغناء وحذفته، وأفسدته قال: نعم يا مخنث، جعلت تنوح على أبيك وأمك إلى أن تقول هذا. والله لأغنين غناء ما غنّى أحد أثقل منه، ولا أجود، ثم غنى:[من الطويل]
تشكى الكميت الجري لما جهدته
قال إسحاق حدثني شيخ من موالي المنصور قال: قدم علينا المدينة فتيان من بني أمية يريدون مكة، فسمعوا معبدًا ومالكًا، فأعجبوا بهما، ثم قدموا مكة، فسألوا عن ابن سريج، فوجدوه مريضًا، فأتوا صديقًا له، فسألوه أن يسمعهم غناءه، فخرج معهم حتى دخلوا عليه فقالوا: نحن فتيان من قريش أتيناك مسلمين عليك، وأجبنا أن نسمع غناءك، فقال: أنا مريض كما ترون قال: إن الذي نكتفي به منك تشير، وكان ابن سريج أديبًا، ظاهر الخلق عارفًا بأقدار الناس فقال: يا جارية هاتي جلبابي وعودي، فأتته جارية بخامة، فشدها على وجهه، وكان يفعل ذلك إذا تغنى لقبح وجهه، ثم أخذ العود فغناهم حتى اكتفوا، ثم ألقى العود، وقال: معذرة، قالوا: قد قبل الله عذرك، وأحسن إليك، ومسح على ما بك من الضر، ثم انصرفوا يتعجبون مما سمعوا، فمروا بالمدينة منصرفين، قسمعوا من معبد ومالك، فجعلوا لا يطربون، فقال أهل المدينة، نقسم بالله لقد سمعتم ابن سريج بعدنا، قالوا: أجل لقد سمعناه فسمعنا ما لم نسمع مثله قط، ولقد نقص إلينا ما بعده.
قال إسحاق: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة، قال: قدم جرير ونحن يومئذ شبان، فطلب الشعر، فاحتشدنا له، ومعنا الشعراء. فبينا نحن عنده، إذ قام لحاجته، فأقمنا لم نبرح، وجاءنا الأحوص الشاعر من قبل على حمار، فقال: أين هذا؟، قلنا قام لحاجته فما حاجتك إليه؟ قال: إني أريد أن أعلمه أن الفرزدق أشرف منه وأشعر، قلنا: ويحك لا تعرض له فانصرف وخرج جرير، فلم يكن بأسرع من أن أقبل الأحوص، فوقف عليه، فقال: السلام عليك فقال: وعليك السلام، فقال: يا ابن الخطفي الفرزدق أشرف منك وأشعر، قال جرير: من هذا؟، قلنا: الأحوص بن محمد، قال: نعم هذا الخبيث ابن الخبيث، أنت القائل (١): [من الطويل]
يقرُّ بعيني ما يقرُّ بعينها … وأحسنُ شيء ما به العين قرَّتِ
قال: نعم، قال: إنه يقر عينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، فيقر ذلك بعينك؟