للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وسألناك نائلًا … فوجدناك سائلا

فقال أبو دلف: هجوتني قبل أن أستوجب الهجاء، فقال: أصلح الله الأمير، صيرته عدّة، وهو ثوب نسجته، ووضعته في تخت، فإن احتجتم إليه نشرته، وإلا كان مطويًا. فضحك أبو دلف، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: دعه يكون مطويًا.

وقال القاسم بن عيسى المعروف بأبي دلف: [من الطويل]

وقالوا بلاد الشام أرض تقدَّسَتْ … فما بالنا في أرضنا لا نُقَدَّسُ

فلا شوقنا فان ولا الهمُّ مُنقضٍ … ولا هَدْأَةٌ تَغْشَى العيونَ فَتَنْعَسُ

وقال أيضًا (١): [من الخفيف]

عاقني عَنْ وَدَاعِكَ الأَشغالُ … وأمورٌ جَرَتْ عَلَيَّ ثِقَالُ

في بلاد يذل فيها عزيزُ النَّفْسِ … حتَّى تُهينه الأنذال

حيث لا مدفع بسيفٍ مِنَ الضَّيْ … ـم وَلَا للجِيادِ فيها مَجَالُ

ومما ذكره أبو الفرج: أنّ الأفشين كان عرض لأبي دلف، واعتل له باطنه ذوي بدانة، ومليء بالعمل على إرادته، ولم يزل يغري به المعتصم، ويرمي جانبه السليم منه بما يصم حتى أسر إليه قتل أبي دلف، وأمر فيه بأمر يقضي به إلى التلف، فأخذه إليه وعفى على آثاره، وعمى بصراء أخباره، فأتى الخبر ابن أبي دؤاد، وقد خيم الليل وطنب، وأسكت من أنب، ولم يبق إلا وقد أوثق بالرتاج، ولا أحد إلا وجفنه قد طعم النوم أو احتاج، فخاف إن أخر إلى بكرة عده أن تفوت فيه الحيلة، وأن يودعه سر تلك الليلة الثقيلة، فدعا بجماعة من عدول الشهود، ونهض بهم إلى باب الأفشين حتى طرقه، واستفتح علقه، ثم دخل عليه هجمًا، وانقض شيطانه في تلك الليلة رجمًا، وقال له: هؤلاء الشهود شهود أمير المؤمنين، وأنا قاضيه ورسوله إليك في أمر هو من وراء تقاضيه، وهو يأمرك بالإمهال في أمر أبي دلف، وأنك لا تعجل عليه، ولا تمد يدك ببطش إليه، وها هو لديك حي يرزق، سالم الأعضاء قادرًا على المضاء، وها أنا قد أبلغتك رسالة أمير المؤمنين، وهؤلاء يشهدون، وفي بكرة غد لشهادتهم عند أمير المؤمنين يؤدون. وكان قد أحضر أبا دلف ليقتله في تلك الساعة، والسيف مصلت قد أظمأه له وأجاعه، ثم كر ابن أبي دؤاد راجعًا، وترك الأفشين فاجعًا، وكان ابن أبي دؤاد قد فعل هذه الأعجوبة، وأتى لإبقاء نفس تلك المسلم بهذه الأكذوبة، والمعتصم لم يخاطبه فيه ببنت شفة ولا أراه من جنى نخلته له ثمرة ولا حشفة، فلم يكن


(١) شعره (للسامرائي) ٢/ ٨٧ - ٨٨ رقم ٤٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>