قال: ثم بلغ المنصور بعد ذلك أن عبد الله بن مصعب قد اصطلح مع بصبص، وهي تغنيه (١): [من السريع]
إذا عزرت صراحية … كمثل ريح المسكِ أَوْ أَطيب
ثمَّ يُغنّي لي يا هزاجة … زيد أخو الأنصار أَوْ أَشْعَبُ
حَسِبتُ أَنِّي مَلِكٌ جالس … حقَّتْ به الأملاك أو موكب
وما أبالي وإلهِ الوَرَى … أَشَرَّقَ العالمُ أَوْ غَرَّبوا
قال أبو جعفر: لكن العالم لا يبالون كيف أصبحت، ولا كيف أمسيت، ثم قال أبو جعفر: لكن الذي يعجبني الليلة أن يحدو بي الحادي بشعر طريف العنبري (٢) فهو ألذ في سمعي من غناء بصبص ثم دعا الجارية وكان إذا حدا، صغت الإبل إلى صوته وانقادت انقيادًا عجيبًا. فسأله المنصور ما بلغ من حسن حدائه تعطش الإبل خمسًا، وتدنو من الماء وأحدو أنا، فتتبع كلها صوتي، ولا تقرب الماء، فحفظ الشعر وهو (٣): [من الكامل]
إني وإنْ كانَ ابنُ عمّي كَاشِحًا … لمُزَاحِم من دونه وورَائِه
ومُمُدُّه نصري وإنْ كانَ امْرًا … مُتزحزحًا في أرضه وسمائه
وأكون مأوى سره وأَصُونُهُ … حتّى يحق علي يوم أدائه
وإذا أتى مِنْ غَيْبَةٍ بطريقةٍ … لمْ أَطَّلع ماذا وراء خبائه
وإذا تحيفت الحوادث مالَهُ … قُرِنَتْ صَحِيحَتُنا إلى جَرْبائِهِ
وإذا تريش في غناهُ وَفَرْتُهُ … وإِذَا تصعلك كنتُ مِنْ قُرنائِهِ
وإذا غدا يومًا ليركب مَرْكبًا … صَعْبًا قعدت له على سيسائِهِ
قال: فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا والله أحث على المروءة، وأشبه لأهل الأدب من غناء بصبص. قال: فحذا به ليله أجمع؛ فلما أصبح قال: يا ربيع أعطه درهمًا. قال: يا أمير المؤمنين حدوت لهشام بن عبد الملك، فأمر لي بعشرين ألفًا، تأمر لي أنت بدرهم؟ قال: إنا لله ذكرت ما لم نحب أن تذكره، وصفت أنّ رجلًا ظالمًا أخذ مال الله من غير حلّه، وأنفقه في غير حقه، يا ربيع أشدد يديك به حتى
(١) لعبد الله بن مصعب في الأغاني ١٥/ ٢٨ - ٢٩.
(٢) طريف بن تميم العنبري، أبو عمرو: شاعر مقل، من فرسان بني تميم في الجاهلية، قتله أحد بني شيبان.
ترجمته في: سمط اللآلي ٢٥٠ - ٢٥١، الأعلام ٣/ ٢٢٦، معجم الشعراء للجبوري ٣/ ١٣.
(٣) الاغاني ١٥/ ٢٩ - ٣٠.