للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال زرزر: فبعثني إليه، وبعث معي خمسين درهمًا؛ فلما دخل إليه وأكلا وشربا، قال له يحيى: قد واليت بين دعوتك لي ولم تكن برًا ولا وصولًا، فما هذا؟ قال:

تذكرت الصوت الذي سألتك إياه، فإذا ليس هو الذي ألقيته قال: فتريد ماذا؟، قال:

تذكر الصوت. قال: افعل، ثم غناه (١): [من البسيط]

أَلَمِمْ بِزَيْنَبَ إِنَّ البَيْنَ قَدْ أَفَدَا … قَلَّ الثَّواءُ لَئِنْ كانَ الرحيلُ غَدًا

فقال: نعم فديتك يا أبا عثمان. هذا هو فالقه علي، قال: العوض؟ قال: ما شئت؟، قال: هذا المطرف الأسود، قال: هو لك، فأخذه، وألقى عليه الصوت حتى استوى له، وبكر إلى إبراهيم، فقال له: ما وراءك؟ قال: قد قضيت الحاجة، فغناه إياه، فقال: خدعك والله ليس هو هذا، فأعد الاحتيال عليه، وكلما تعطيه إياه، فألزمني به؛ فلما كان في اليوم الثالث بعث إليه، وفعل مثل فعله بالأمس، فقال له يحيى: مالك أيضًا؟، فقال: يا أبا عثمان ليس هذا هو الصوت الذي أردت، قال له: لست أعلم ما في نفسك، فأذكره، وإنما علي أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى زينب البتة إلا حضرت بها، قال: هات على اسم الله تعالى أذكر العوض، قال: هذه الدراعة الوشي التي عليك، فأخذها. قال: والخمسين درهمًا، فأحضرت، فأخذها وألقى علي (٢): [من الطويل]

لزينب طيف تعتريني طَوَارقُهْ … هُدوًّا إذا النَّجمُ ارْجَحَنَّتْ لواحِقُهْ

فأخذه، ومضى إلى إبراهيم، فصادفه يشرب مع الحرم، فقال له: حاجته ما تصل إليه، فقال له: قُلْ له قد جئتك بحاجتك، فدخل، فأعلمه، فقال: يدخل، فيغنيه في الدار قائمًا، فإن كان هو، وإلا فليخرج. قال: ففعل ذلك، فقال: لا والله ما هو هذا فعاود الاحتيال عليه، ففعل مثل ذلك، فقال له يحيى، وهو يضحك: ما ظفرت بزينبك بعد؟، قال: لا والله يا أبا عثمان، وما أشك إلا أنك تعدني بالمدح مما أريده، وقد أخذت كل شيء عندي معاينة، فقال له يحيى: قد استحييت الآن منك، وأنا ناصحك على شريطة. قال: نعم، قال: الشريطة أن لا تلمني ان أعاتبك؛ لأنك أخذت في معاتبتي والمطلوب إليه أقدر من الطالب، فلا تعاود أن تحتال علي؛ فإنك لا تظفر بما تريد. قد دسك إبراهيم علي؛ لتأخذ صوتًا غنيته، وسألني إعادته، فمنعته إياه بجلًا عليه به؛ لأنه لم يلحقني منه خير، ولا بركة، ويريد أن يأخذ غنائي باطلًا، وطمع بموضعك


(١) لعمر بن ربيعة في ديوانه ٣٩١.
(٢) لمحمد بن عبد الله النميري في الأغاني ٦/ ١٩١.

<<  <  ج: ص:  >  >>