للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نفوسًا مواتًا، خطب للتقريب، وخطا إليه من مكان قريب، وإذا كان اندفع يغني، استوجف الطير، وأوقف الراكب العجل عن السير، فكل مطرب يطير في الأوتار، ويطيب به حتى ذو الأقتار، لا يغلب على تندير، ولا يشبه يلعبه بالقلوب اللاعب بالماء في الغدير.

قال أبو الفرج: كان الرشيد يعبث به كثيرًا، فقال ذات يوم لمسرور: قُلْ لابن جامع، وإبراهيم الموصلي، والزبير بن دحمان، وبرصوما، وابن أبي مريم المديني: إذا رأيتموني قد طابت نفسي، فليسأل كل واحد منكم حاجة مقدارها مقدار صلته، وذكر لكل واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة، فقال لهم مسرور ما قال له، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم؛ فلما جلس، قال: يا أبا صدقة قد ضجرتني كثرة مسائلك، وأنا في هذا اليوم ضجر، وقد أحببت أن تفرح وأفرح ولست أمن أن تنغص علي مجلسي بمسألتك، فأما ان أعفيتني أن تسألني اليوم حاجة قال: يا سيدي لست أسألك في يومي هذا، أو إلى شهر حاجة، فقال له الرشيد: أما إذ قد شرطت لي هذا على نفسك، فقد اشتريت منك بخمسمائة دينار، وها هي ذي، فخذها طيبة معجلة، فإن سألتني بعدها في هذا اليوم، فلا لوم علي إن لم أصلك سنة بشيء. فقال له: نعم، فقال له الرشيد. زدني في الوثيقة، فقال: قد جعلت أمر أم صدقة إليك، فطلقها متى شئت إن شئت واحدة وإن شئت ألفًا إن سألتك في يومي هذا حاجة، وأشهدت الله، ومن حضر على ذلك، ودفع المال إليه، ثم أذن للجلساء والمغنين، فدخلوا وشرب القوم؛ فلما طابت نفس الرشيد، قال ابن جامع: يا أمير المؤمنين قد نلت بك ما لم تبلغه أمنيتي، وكثر إحسانك إليَّ حتى قتلت أعدائي، وليس لي بمكة دار تشبه حالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دارًا وأفرشها؛ لأفقأ عيون أعدائي، وأزهق بنفوسهم، فعل، فقال: كم قدرت لذلك، قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها، ثم قام إبراهيم الموصلي، فقال: قد ظهرت نعمتك علي وعلى أكابر ولدي، وفي أصاغرهم من قد بلغ، وأريد تزويجه، ومنهم من احتاج أن أطهّره، ومنهم صغار احتاج أن أتخذ لهم خدمًا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك. فأمر له بمثل ما أمر لابن جامع، وجعل كل واحد منهم يقوم فيقول من الثناء ما يحضره، ويسأل حاجته على قدر، جائزته، وأبو صدقة ينظر إلى الأموال تفرق يمينًا وشمالًا، فوثب على رجليه قائمًا، ورمى بالدنانير من كمه، وقال: يا أمير المؤمنين أقلني أقال الله عثرتك، فقال له الرشيد: لا أفعل، فجعل يستحلفه ويضطرب ويلح، والرشيد يضحك ويقول: ما لي إلى ذلك سبيل «الشرط أملك»، فلما

<<  <  ج: ص:  >  >>