للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيه مثل الحال الأول، ثم غناه لما استحسنته، وحلفت له على جودته، وأعاده لي ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، ثم قال: هل قضيتُ حقَّ هديتك؟، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأطال الله بقاك، وتمم نعمتك، ولا أفقدنيها منك وبك، فقال: لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي، ولا سألتني معونته على أمره، وقد سبقت مسألتك، وكتبت إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره، وخطبت له المرأة، وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالي. فقبلت يده، وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من عبيدك، ومن سائر الناس.

قال: لما خرج المعتصم إلى عمورية واستخلف الواثق بسر من رأى، وكانت أموره كلها كأمور أبيه، فوجه إلى الجلساء والمغنين أن يبكروا إليه يومًا حده لهم، ووجه إلى إسحاق فحضره، فقال لهم الواثق: إني قد عزمت على الصبوح، ولست أجلس على شهر حتى أختلط بكم، ونكون كالشيء الواحد، فاجلسوا معي حلقة، وليكن كل جليس إلى جانبيه مغن، فجلسوا كذلك، فقال الواثق: أنا أبدأ، فأخذ عودًا، وغنّى وشربوا، وغنى من بعده حتى انتهى إلى إسحاق فأعطى العود فلم يأخذه، فقال: دعوه، ثم غني وغنوا دورًا آخر؛ فلما بلغ إلى إسحاق لم يغن، وفعل هذا ثلاث مرات، فوثب الواثق، فجلس على سريره، وأمر الناس، فادخلوا، فما قال لأحد منهم اجلس ثم قال علي بإسحاق، فلما رآه قال: يا خوزي، يا كلب! أتبذل لك، وأغنّي وترفع عن أترابي، ولو قتلتك، لكان المعتصم يقيدني بك. فبطح وضرب ثلاثين مقرعة، وحلف لا يغني سائر يومه، فاعتذر، وتكلمت الجماعة فيه، فأخذ العود، وما زال يغني حتى انقضى ذلك اليوم.

قال إسحاق: دخلت يومًا على الواثق، وهو مضطجع، فقال: غنني يا إسحاق صوتًا غريبًا لم أسمعه منك حتى أُسرَّ به بقية يومي، قال: وكأنَّ الله ﷿ أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت (١): [من السريع]

يا دار إن كان البلى قد مَحَاكُ … فإنه يُعجبني أَنْ أَرَاك

أبكي الذي قد كان لي مَألَفًا … فيكَ فآتِي الدارَ مِنْ أَجْلِ ذَاكَ

قال: فتبينت الكراهة في وجهه، وندمت على ما فرط مني، وتجلد، فشرب رطلًا كان بيده وعدلت عن الصوت إلى غيره، وكان ذلك اليوم والله آخر جلوسي معه.

قال: وتوفي إسحاق ببغداد أول خلافة المتوكل وكان يسأل الله أن لا يبتليه


(١) الأغاني ٩/ ٣٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>