للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأظهرت فيها ما يعلم معه أنهم لا يرون قبلي مثلي.

قال إبراهيم: دخلت يومًا على الرشيد، وفي رأسي فضلة من خمار، وبين يدي ابن جامع وإبراهيم الموصلي، فقال: بحياتي يا إبراهيم غنني فأخذت العود، ولم التفت إليهما، فغنيت (١): [من الكامل]

أَسْرَى لخالِدَةَ الخيال ولا أَرَى … شيئًا أَلذَّ مِنَ الخيالِ الطَّائِفِ

قال: فسمعت إبراهيم يقول لابن جامع: لو طلب هذا بهذا ما نطلب، لما أكلنا خبزًا أبدًا، فقال ابن جامع: صدقت، فلما فرغت من غنائي، وضعت العود، وقلت: خذا في حقكما، ودعا باطلنا.

قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: اتخذ أبي حَرَّاقة، فأمر بشدها في الجانب الغربي حذاء داره، فمضيت إليها ليلة، وكان أبي يخاطبنا من داره بأمره ونهيه، وبتنا عرض دجلة فما أجهد نفسه.

قال ابن قتيبة: حدثني ابن أبي ظبية، قال: كنت أسمع إبراهيم بن المهدي يتنحنح في داره، فأطرب.

قال ابن خردادبة: حدثني محمد بن الحارث بن يستجير، قال: وجه إبراهيم ابن المهدي يومًا يدعوني، وذلك في أول خلافة المعتصم، فصرت إليه، وهو جالس وحده، وشارية جاريته خلف الستارة، فقال لي: قد قلت شعرًا، وغنيت فيه، وطرحته على شارية، فأخذته، وزعمت أنها أحذق به مني، وأنا أقول إنها دوني في الحذق، وقد تراضينا بك حكمًا لموضعك من هذه الصناعة، فاسمعه مني ومنها، ولا تعجل حتى تسمعه مني ومنها ثلاث مرات، فاندفع يغني هذا الصوت (٢): [من الطويل]

أَضِنُّ بليلى وهي غيرُ سَخِيَّةٍ … وتبخُلُ ليلى بالهوى وأجود

فأحسن وأجاد، ثم قال لها: تغني فغنته، فبرزت فيه كأنه كان معها في الحد، ونظر إلي، فعرف أني قد عرفت فضلها، فقال: على رِسْلِك وتحدثنا وشربنا، ثم اندفع فغناه ثانية، فأضعف في الإحسان، ثم قال لها: تغني فغنت، وبرعت، وزادت أضعاف زيادته، وكدت أشق ثيابي طربًا، فقال لي: تثبت ولا تعجل، ثم غناه ثالثة فلم يبق عليه في الإحكام.

ثم أمرها، فغنت، وكأنه إنما كان يلعب، ثم قال لي، فقضيت لها عليه، فقال:


(١) الجرير في ديوانه ٤٣٤، الأغاني ١٠/ ١٢٢، وفيهما: «الخيال الطارق».
(٢) الأغاني ١٠/ ١٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>