للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال إبراهيم الموصلي، قال لي جعفر بن يحيى يومًا: صِرْ إليَّ حتى أهب لك شيئًا حسنًا، فصرت إليه، فقال لي: أحب أن أهب لك الشيء الحسن الذي وعدتك به، وأرشدك إلى شيء تكسب به ألف ألف درهم، فقلت: بل يُرشدني الوزير - أعزه الله - إلى هذا الوجه، فإنه يقوم مقام إعطائه إياي هذا المال، فقال: إن أمير المؤمنين يحفظ شعر ذي الرمة حفظ الصبي، ويعجبه، ويؤثره، وإذا سمع فيه غناء، أطربه أكثر مما يطربه غيره ممن لا يحفظ شعره، فإذا غنيته وأطربته أمر لك بجائزة، فقم على رجلك وقبل الأرض وقل له: لي حاجة غير هذه الجائزة أريد أن أسألها أمير المؤمنين، وهي حاجة تقوم عندي مقام كل فائدة، ولا تضره ولا ترزأه، فإنه سيقول لك: أي شيء حاجتك؟ فقل: قطيعة تقطعنيها سهلة عليه، ولا قيمة لها، ولا منفعة لأحد فيها، فإذا أجابك إلى ذلك، فقل له: تقطعني شعر ذي الرمة أغنّي فيه ما أختاره ويحظر على المغنين جميعًا أن لا يداخلوني فيه، فإني أحب شعره، وأستحسنه، فلا أحب أن يبغضه على أحد منهم، وتوثق منه في ذلك، فقلت هذا القول منه، وما انصرفت إلا بجائزة من عنده مع ذلك توخيت وقتًا للكلام حتى وجدته، فقمت وسألت كما قال لي، فرأيت السرور في وجهه، وقال: ما سألت شططًا قد أعطيتك ما سألت، فجعلوا يتضاحكون من قولي ويقولون: لقد استضخمت القطيعة، فقلت: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في التوقيع، قال: توقع كيف شئت فقلت: بالله وبحق رسوله وبتربة أمير المؤمنين المهدي إلا جعلتني في ثقة من ذلك، بأن يحلف لي بأن لا يعطي أحدًا من المغنين جائزة على شيء يغنيه في شعر ذي الرمة، فإن ذلك وثيقتي. فحلف مجتهدًا له لئن غناه أحد منهم في شعر ذي الرمة، لا أثابه ولا أبره، ولا سمع غناءه، فشكرت فعله، وقبلت الأرض بين يديه، فانصرفنا، فصنعت مائة صوت، وزيادة عليها في شعر ذي الرمة، وكان إذا سمع منها شيئًا، طرب وزاد في الطرب، ووصلني، وأجزل، ولم ينتفع أحدٌ منهم غيري، فأخذت والله منه ألف ألف درهم، وألف ألف درهم.

قال: اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصوما بين يدي الرشيد، فضرب زلزل، وزمر برصوما، وغنّى إبراهيم (١): [من الوافر]

صَحَا قَلْبِي وَزَاغَ عَقْلِي … وأَقْصَرَ باطلي ونَسِيتُ جَهْلِي

رأيتُ الغانياتِ وكُنَّ … إِليَّ صَرَمْنَنِي وقَطَعْنَ حَبْلِي

فطرب هارون حتى وثب على رجليه، وصاح يا آدم لو رأيت من يحضرني اليوم


(١) لأبي العتاهية في الأغاني ٥/ ٢٥٢، وقد أخل بهما ديوانيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>