وأخبرني ابن عبدون (٢) أن الجدب توالى بحضرته حتى جفت مذانبها، واغبرت جوانبها، وأبدت الخمائل عبوسها، وشكت الأرض إلى السماء بوسها (٣)، فأقلع المتوكل (٤) وأظهر الخشوع، وأكثر السجود والركوع، إلى أن غيم الجو وانسجم النو، وصاب الغمام، وترنمت الحمام، والمتوكل ما فض لتوبته ختاما، ولا نفض (عن)(٥) قلبه منها قتاما.
ومنه قوله (٦):
وأخبرني أنه سايره (إلى شنترين)(٧) وهي لا يردعها صرف، ولا يقرعها طرف. قد أطلت على خمائلها أطلال العروس (٨) على منصتها، واقتطعت (٩) في الجو أكثر من حصتها، (فمروا بألبش)(١٠) قُطْرِ سالت به جداوله واختالت فيه خمائله، فما يجول الطرف منه إلا في حديقة، أو بقعة أنيقة، فصار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نوّارِهِ، وخجلت خدوده (ورده من زوّاره)(١١) وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المجالس (١٢) أزرارها.
ومنه قوله (١٣):
وبقي ابنه (١٤) قد نهل بالغصص، وذهل خوفًا من القنص، إلى أن ركب في البحر
(١) قلائد العقيان ص ١٣٧. (٢) في القلائد الوزير أبو محمد بن عبدون. (٣) في القلائد وسكت للسماء الأرض. (٤) هو المتوكل على الله أبو محمد عمر بن المظفر. وبعده في القلائد عن الشرب واللهو ونزع ملابس الخيلاء والزهو. (٥) التكملة عن القلائد. (٦) قلائد العقيان ص ١٣٩. (٧) في الأصل (بشنتمرى) وصححت على القلائد. (٨) في الأصل: العروض. (٩) في الأصل: وانقطعت. (١٠) في الأصل ببلش أو في هامش الصفحة ١٣٩ من القلائد: كذا ولعلها ألش، وألش اقليم من كور تدمير بينه وبين أريولة خمسة عشرة ميلًا. (١١) في الأصل: من روّادة، والتصويب عن القلائد. (١٢) في القلائد المحاسن. (١٣) قلائد العقيان ص ١٤٨. (١٤) يريد به ابن المعتصم بالله أبي يحيى محمد بن معن بن محمد بن حماد صاحب المرية، انظر: الذخيرة ١/ ٢/ ٧٢٩ والمغرب ٢/ ١٩٥ وابن خلكان ٥/ ٣٩، وابنه عز الدولة، أبو مروان عبيد الله، أنفذه أبوه في آخر دولته رسولًا إلى يوسف بن تاشفين فاعتقله، حتى تمكن أبوه من خلاصه، وبقي بالمرية إلى أن فر أخوه معز الدولة إلى بجايه، ولجأ هو إلى أحد المرابطين.