طريقًا غير يبس (١)، وساعدته الريح بنفس، فامتطى ثبجه (٢) إلى حين شاء جنوح، فأصبح وأطراف شراعه تلوح وأطلاله تبكي عليه وتنوح، فأرجاه إلى بجاية سكانه، وحباه منها موضعه ومكانه.
ومنه قوله (٣):
ودَخَلْتُ بلنسية (٤) فألفيته قد انحنى. وعُوِّضَ من شطاطِهِ (٥) بالحنا (٦)، وهو يمشي بالعيش على ضجر، ويمشي على ساقٍ من الشجر، ولا تحرق المنسأة من الكبر، ولا يملك رأس البعير إن نفر (٧)، وأقمنا نتعاطى أحاديث كأنها رضاب، ونتراضي الأيام غضاب.
ومنه قوله (٨): وبوسطها مجلس قد تفتحت للروض أبوابه، وتوشّحَتْ بالأزر المذهبة أثوابه، يخترقه جدول كالحسام المسلول، وينساب فيه انسياب الأيم في الطلول، وضفافه بالدوح (٩) محفوفة والمجلس يروق كالخريدة المزفوفة (١٠) وأقمنا نتنعم بحسنه طول ذلك اليوم، ووافي الليل فذدنا عن جفوننا (١١) طروق النوم، وظللنا بليلة كان الصبح منها مقدود، والأغصان تميس كأنها قدود والمجرّة تتراءى نهرًا، والكواكب تخالها في الجوّ زهرًا، والثريا كأنها راحةٌ تُشير، وعُطارِدُ لنا بالطرب تشير، فلما كان من الغد وافيت أبا عبد الرحمن (١٢) فأفضينا بالحديث إلى ذكر متنزهنا بالأمس (١٣) فقال:
ما بهجة موضع قد بان قطينه (١٤) وذهب، وتسلب الزمان بهجته وانتهب، عهدي به وقد استدعاني (١٥) في يوم حلت فيه الشمس بيت شرفها، واكتست الأرض
(١) إشارة لقوله تعالى: «فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا» سورة طه: ٧٧. (٢) بعده في القلائد: وأورد غربانه لججه … إلخ. (٣) قلائد العقيان ص ١٩٩. (٤) بعدها في القلائد: سنة ثلاث وخمس مائة. (٥) في القلائد: نشاطه. (٦) في القلائد: الحنا، وهو تضمين لقول الشاعر: وبدلتني بالشطاط انحنا … وكنت كالصعدة تحت السنان (٧) تضمين لقول الشاعر: أصبحت لا أحمل السلاح … ولا أملك رأس البعير إن نفرا (٨) قلائد العقيان ٢٠٢. (٩) في القلائد: وضفاته بالأدواح. (١٠) في القلائد: وهو يروق … وبعده أبيات لعلي بن أحمد. (١١) في القلائد الجفون. (١٢) في القلائد: الرئيس أبا عبد الرحمن زائرًا. (١٣) في القلائد، في أمس. (١٤) في الأصل، فضة هي تحريف صحح على القلائد. (١٥) في القلائد: عهدي به عندما فرع من تشييده، وتتوهي في تنميقه وتنضيده، وقد استدعاني إليه المنصور بن أبي عامر.