وبرز الظافر منفردًا من كماته عاريًا من حماته وسيفه في يمينه، وهاديه في الظلماء نور جبينه. فإنه كان غلامًا لما بلله الشباب بأندائه، وألحفه الحسن بردائه، فدافعهم أكثر ليله، وقد منع منه بلا حق رجله وخيله، حتى أمكنتهم فيه غرة (٢) وسقطت به عثرة (٣)، فمر بمصرعه (٤) أحد أئمة الجامع المُغلّسين، فرآه وقد ذهب ما عليه ومضى، وهو أعرى من الحسام المنتظى، فخلع رداءه عن منكبه (٥) وستره [به] سترًا أقنع المجد به وأرضاه، وأصبح لا يعرف (٦) ربُّ تلك الصنيعة، ولا يعرف فيشكر له يده الرفيعة، ولما كان من الغد، حز (٧) رأسه، ورفع على رمح (٨)، وهو يشرقُ كنار على علم، ويرشق صدر كل ناظر (٩) بألم، فلما رمقته الأبصار، وتحققته الحماة والأنصار، رموا أسلحتهم، وسووا للفرار أجنحتهم.
ومنه قوله (١٠):
ولما ثوى (١١) عرش الخلافة، وخوى نجمها، ووهي ركن الإمامة وطمس رسمها، وصار الملك دعوى، وعادت العافية بلوى، استنسر البغاث (١٢) وصحت الأضغاث واستأسد الظبي في كناسه، وثار كل أحدٍ في ناسه، وخلت المنابر من رقاتها، وفقدت الجمع مقيمي أوقاتها، وكان باديس (١٣) بأغرناطة قد حجب سنانه لسانه، وسبقت إساءته إحسانه، لا يرام بريث ولا عجل، ولا يبيتُ له جار [إلا] على وجل، وأمره أضيع من مصباح الصباح، وهمه في غبوق واصطباح، وبلاده مراد لفاتك، وستره في يد الهاتك، فسقط الخبر إلى المعتضد (١٤)، ملقح (١٥) الحرب، ومنتج الطعن والضرب، الذي صاد الطير تحت أجنحة العقبان (١٦)، وأخذ
(١) قلائد العقيان ص ٦٨. (٢) في القلائد: عثرة، وبعده: لم يقل لهالعًا، ولا استقل منها ولا سعى. فترك ملتحفًا بالظلماء .. (٣) لم ترد (وسقطت به عثرة) في القلائد. (٤) في القلائد: بمصرعه سحرًا. (٥) في القلائد: عن منكبيه ونضاه. (٦) في القلائد: لا يعرف. (٧) في القلائد: حيز. (٨) في القلائد: سن رمح. (٩) في القلائد: ويرشق كل. (١٠) قلائد العقيان ص ٨٠. (١١) في القلائد: ثُلَّ. (١٢) تضمين للمثل: إن البغاث بأرضنا يستنسر. (١٣) في القلائد: (باديس بن حيوس) كان يدعو للعلويين بمالقة. (١٤) في القلائد: المعتضد بالله. (١٥) في الأصل: مقلح. (١٦) في الأصل (العناب).