للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولما أحس بهم المأمون، خرج بعد قليل وجد فليل (١)، وقد رتبت له بطريقه رصائد، ونصبت له فيها مصائد، علق فيها زمامه، ورشق إليه منها حمامه، فانقضوا عليه انقضاض الجارح، وانصبوا عليه انصباب الطير إلى المسارح، فقطع رأسه وحيز، وخيض به النهر وجيز، ثم انتقلوا إلى رندة (٢) أحد معاقل الأندلس الممتنعة، وقواعدها السامية المرتفعة، تطرد منها على بعد مرتقاها، ودنو النجم من ذراها عيون لانسيابها (٣) كالرعد القاصف، والرياح العواصف، ثم تكون [واديا] (٤) يلتوي بجريانها (٥) التواء الشجاع، ويزيدها في التوغر والامتناع، وقد تجونت (٦) نواحيها وأقطارها، وتلوّنت (٧) فيها لياناتها وأوطارها، فلا يتعذر لها مطلب، ولا يتصور فيها عدو إلا أعلقه ناب أو مخلب.

ومنه قوله (٨):

وما زالت عقارب تلك الداخلة تدبُّ وريحها العاصفة تهب، حتى دخل البلد من واديه، وبدت من المكروه بواديه، وهو ملقى بين جواريه، مغتر بودائع ملكه وعواريه، ولما انتشر الداخلون في البلد، وأوهنوا (٩) عرى القوى والجلد، خرج الموت يتسعر في ألحاظه، ويتضور من ألفاظه، فلقيهم برحبة (١٠) القصر، وقد ضاق بهم فضاؤها، وتضعضعت من وجيبهم (١١) أعضاؤها، فحمل فيهم حملة (١٢) صيرتهم فرقًا، وملأتهم فرقا، ثم والى (١٣) عليهم الكر، حتى أوردهم النهر، وما بهم جواد، وأودعهم حشاه كأنهم له فؤاد (١٤)، وعاد إلى قصره وقد عزم على أفضع أمر، وقال: (بيدي لابيد عمرو) (١٥)، ثم جمع هو وأهله، وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم، وأول عيد عيده بأغمات (١٦)، وهو سارح، وما غيرت السجون له مسارح، دخل عليه (١٧) من يسلّم عليه


(١) في القلائد: بعدد قليل.
(٢) رندة معقل حصين بالأندلس. بين أشبيلية ومالقة (معجم البلدان ٣/ ٧٣).
(٣) في القلائد: لانصبابها دوي الرعد.
(٤) التكملة عن القلائد.
(٥) في القلائد: بجوانبها.
(٦) في الأصل: تخوفت.
(٧) في القلائد وتكونت.
(٨) قلائد العقيان ص ٨٨.
(٩) في القلائد: ووهى منه القوى والجلد.
(١٠) في القلائد في رحبة.
(١١) في القلائد: رجتها.
(١٢) في القلائد: فحمل حملة.
(١٣) في القلائد: وما زال يوالي عليهم.
(١٤) في الأصل: كأنه فؤاد.
(١٥) مثل قالته الزباء.
(١٦) أغمات: ناحية في بلاد البربر قرب مراكش نفي إليها المعتمد سنة ٤٨٤ هـ.
(١٧) في القلائد: دخل عليه من بنيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>