اقتصرت على المقصورة ولا بردتها البرادة، حتى تصحن الصحن، وتنسر النسر وتجرد القبة من رصاصها، وتكبها من عراصها، وترميكم بالخطب الفادح في الخطيب، ويحرمكم إياه في المحراب، فلا ينبري إلى المنبر أبدًا، ولو أحفظ ذلك الحافظ ثقة الدين وأغراه بمراثيه إلى يوم الدين، فأين ذات الطوق عن التغريد على هذا الشوق، وأين حمامة النيرين عن النياحة على طول البين، وأين شحرور منين (١) عن المساعدة بالحنين؟ لا والله ما رجل من سادات بني سرايا شرده عن وطنه الغارات والسرايا، كان قد ربي في السروج، ونشأ بين المروج يتردّد من حصن اللبوة إلى بساتين الربوة، ويرتاض من عين سردا إلى وادي بردى، ويصطبح في سوق آبل، ويغتبق في كروم المزابل، ويقيل في عين جور، ويبيت في الساجور، وهذه المواطن كما علمت رائعة الجنان، ورائحة الجنان فرماه الحظ بالدهر المنقوص، وطوحه إلى أرباض مدينة قوص، يتقلى في حرّ السعير، ويتمنّى خبز الشعير، إدامه البصل والصبر، وفراشه الأرض والحصير، فأنْحت عليه الهواجر في آخر شهر ناجر فتمنى على الله ريح صبًا تهب من نحو بلاده، فهبّت عليه من صحراء عيذاب بكل نقمة وعذاب، فطلعت روحه إلى التراق، وقيل: هل من راق، فمدّ يده إلى الماء ليبرد كبده مما يكابده، فوجده أحر من ماء الحمام وزبل الحمام، فتذكر حينئذ ما خلفه من الربوع، وحنّ إلى تسلسل الماء في النابوع، وإشتاق إلى الجداول الساقية من عيون عرق (٢)، فعظم حينئذ مصابه، وتزايدت أوصابه، وعلم أن سفره عن السفيرة (٣) والكبرى هي الطامة الكبرى، وعدم الصبر والسلوان عن دير سلوان.
وقال في نفسه: أنزى الذي خلقني وبراني، يعيدني إلى جنة الزبداني؟ أتراه يجمع شملي في كفر عامر، بالسادات من بني عامر، أتراني أحرق الشيح والحوذان، عند حورتي ودان (٤)، تمنيت أن أكون كالقن والقين، وأعبر تحت أبيات بقين، ثم إن أنّة مهجور، وتنفس عن صدر مسجور، وأنشد:
ألا ليت شعري هل أرى ساعة (٥) … أجرّ ذيلي في ذيول سنير (٦)
(١) منين: قرية في جبل سنير من أعمال الشام. (٢) في المنامات: عرق الساقية. (٣) السفيرة ناحية في بلاد طيئ، وكبرى اسم موضع لم أجد له تعريفًا. (٤) في المنامات: الذي عند عيون حور بلودان. (٥) في الأصل: سلعة. (٦) سنير: جبل بين حمص وبعلبك على الطريق وعلى رأس قلعة سنير.