أصيلًا وحولي ناصر من منير … وهل أرد الماء الذي عند ديره (١)
ثم أقبل على لطم خديه، وتعضيض يديه، وبكى حتى وقع مغشيًا عليه، بأشد من شوق الخادم إلى لقائه، وتطلعه إلى ما يرد من تلقائه:
والله يطوي بساط الشمل عن كثب … حتى ترى الشمل وهو ملتئم (٢)
وإلى هذا الموضع انتهى فشر الكتاب، وهذيان الشعراء، ويريد الخادم أن يطلق يده وقلمه، ويسابق لسانه وفمه، فإنه قد لحقه من الضجر والكلل ما يلحق الجحش الصغير إذا حمل أحمال البغال القرّح، وانضاف إلى ذلك استعجال حامله وتوثبه للرواح فتناول حينئذ كتابه الوارد، وكرر نظره في أنبائه ليجاوب عن الفصول المضمنة فيه فوجده صفرًا من الأنباء خاليًا من غرائب أخبار البلد، عاريًا من طرائف أحوال الإخوان، قد استفتحه بطلب الثأر من مزاح الخادم معه في كتابه المتقدم إليه من ثلاث سنين في أوّل هذا الكتاب قام الدليل على بطلان قوله إنه نفذ إليه عدة مكاتبات، لأنه لو كان ما ادعاه من ذلك حقًا، لما قدم على هذا الفصل شيئًا في أول كتاب نفذه غليانه في قلبه، ثم ينهاه أدبه وفضله بعد هذا عن تكرار ذلك المعنى بعينه في أول كتاب آخر. فصح بطلان قوله بالدليل والبرهان، وعجب الخادم من يكن ذلك الحقد من قلبه واستيلائه عليه، وثباته له بين الحشا والترائب، لم يخرجه من صدره ضجر القعود في دمشق والبطالة فيها مع الزمان، ولا طول المشقة وبعد الشقة إلى العراق. ولا مكابدة الجمالين والحمالين في الطريق، ولا قذارة المساكن والمسالك ببغداد، ولا كرب دخانها وحانها في طرفي النهار، ولا وخم غبارها وآبارها في الأصائل، ولا عيون الماء وسوالف الآرام في سوق الجوهر، ولا دخمسة (٣) التجار ومطل الحاكة بالمتاع، ولا تعذر السفر والرفقة والرجوع إلى الشام، ولا قطع المسافة من الجزيرة والمعشوق (٤)، ولا الخوف من غارة خفاجة وسرايا غزية، ولا الحذر من عياري السواد، وحرامية الأفرنج، ولا تغيّر الملك والإمارة بالشام، ولا انقلاب الدولة وانتقالها من قوم إلى آخرين، كأنما لصق صدر كتابي في صدره بأشراس، أو كأنما سمّر فيه بمسمار وثيق، وأظنّه لو مات والعياذ بالله قبل أخذه لثأره، لمزق الأكفان ونبش المقابر، ورجم أهل الآخرة بالحجارة. ولقد فكر الخادم ليلة وصول كتابه في سوء رأيه
(١) في المنامات: دمر. (٢) في المنامات: مأهول. (٣) الدخمسة، دخمس عليه، لم يبق له ما يريد. (٤) المعشوق، اسم لكورة بالجانب الغربي من دجلة.