فيه، وشدّة حقده عليه، وبقي مُتفجّعًا من مطالبته له بالآثار الهزلية، بعد الزمان الطويل وامتنع عليه النوم لأجل هذا إلى هزيع من الليل. ثم غلبته عينه فرأى فيما يرى النائم كان القيامة قد قامت، والمنادي ينادي: هلموا إلى العرض على الله، فخرجتُ من قبري أيمم الداعي إلى أن بلغت إلى أرض المحشر، وقد ألجمني العرق، وبلغ مني التعب والفرق، وأنا من الخوف على شرّ الأحوال، وقد أنساني جميع ما قاسيته عظيم ما أعانيه من شدّة الأهوال فقلت في نفسي هذا اليوم العبوس القمطرير، وأنا رجل ضعيف النفس خوار الطبع، ولا صبر لي على معاينة هذه الدواهي، كنت أشتهي على الله الكريم في هذه الساعة رغيفًا عقيبيًا (١) وزبدية (٢) طباهجة (٣) ناشفة وجبن سناري، ونعارة نبيذ حلبوني (٤)، والحافظ العليمي ينادمني عليها بأخبار خوارزم، وفخر الدين ابن هلال يغني لي:
يا أهل نعمان إلى وجناتكم … تُعزى الشقائق لا إلى النعمان
وأبو العز بن الذهبي بعينيه، ويسقيني الصرف من النعارة حتى يعرق جسمي، وأغيب عن الوجود فتنقضي عنّي الشدائد في غير معقول، فما انقضت أمنيتي حتى طلع عبد الواحد بن بدر من جانبي وقال لي: الساعة رأيت عدة جوار يطلبونك مع بعضهم أولاد يزعمون أنهم منك قد نفيتهم عنك وبعضهم يدعي أنك بعتهم لغيرك وهم حبالي منك، فقلت له: هون عليك، ولا يكن عندك أحسن منهم:
قد باعت الأسباط قبلي يوسفًا وهم هُمُ ووجمتُ من كلامه ساعة، وقلت: لو أني مثل الحافظ العليمي الذي لا يقتني إلا الغلمان الذكور، وكلما التحى واحد باعه واشترى آخر، ما حلّت بي هذه المصيبة، فقال لي ابن بدر ورأيت الحافظ العليمي يقلب عليك الأرض، فقلت: وأين أجده؟ فقال: هو هذا واقف مع النبيه الموصلي أفخاذه من البول، فقلت له: وأيّ شيء أصابه المسكين؟ فقال: إنه سمع انشقاق سماء الدنيا فجرى إلى أفخاذه من شدّة الزَّمع، فقلت له: هو معذور، وسرت إلى نحوك وناديتك، فأقبلت إلي تجري، وما كلمتني كلمةً دون أن لكمتني لكمة موجعة وشتمتني، وقلت لي: يا عدو الله ما كفى أنك تخاطبني بنون الجمع وكاف المخاطب دون أن ذكرت اسمي بغير كنية ولا لقب، والله لا توصلن إلى أذيتك بكل طريق، فقلت له: يا
(١) عقيبيًا: مصنوع من اللوز الأخضر. (٢) زبدية: وعاء من الخزف. (٣) طباهجة: طعام من بيض وبصل ولحم، فارسية. (٤) في المنامات: صيدناني.