للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقلت له: هذا الذي كنت أخوفك منه وقد وقعنا فيه، فقلت: أنت يا سيدي يا مال، اسمع مني كلمتين لوجه الله تعالى فقال: كيف أسمع منك وقد حذفت ربع اسمي في النداء، فقلت: والله ما حذفته للترخيم الجائز عند النحاة، وإني لفي شغل عن ذلك، ما حذفته إلا لشدّة الهلع وانقطاع مادة الكلام، فيقول لك: هات كلمتيك، فتقول: يا سيدي هذا رجل مغربي من أهل القرآن، وأنا رجل محدّث عن رسول الله ، فبأي جرم تأخذنا قبل العرض على الله تعالى، واستعلام ما يعاملنا به الكريم. فقال له: يا خبيث، أنت كنت من المقدمين في اللياطة، ومن المتبصرين، فقلت له: أنا، وكيف ذلك يا سيدي فقال: هذا كان يفسق بأولاد المسلمين، ويثبت أسماءهم في جريدة على حروف المعجم حتى لم يبق عليه إلا القليل، وسمعت أنه أدخل أمردًا إلى خزانة مظلمة ونيمه تحت ضوء الروزنة، فلما لم يطابق الضوء جحره قال له: تعطف يا سيدي وقدمها إلي بفضلك يا خنزير، وأي فضل لأمرد منكوح، وسمعتُ أنه أخذ يحيى المطرز، وما قام عليه فتركه وراح، فلما كان بعد ذلك بمدة اجتمع به فطالبه بالتمام، ولو عددت عليه ما قيل في لطال الزمان، وأما أنت (١) فرجل قوّاد لا يشك فيه، فاستشطت عند ذلك غيظًا وأظهرت القلق العظيم، وقلت: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ فقال لي مالك: لعل مولاي يريد أن يهجوني بشعر مثلما رأيت في صحائفه اليوم، أو يعمله في مقامة مثل فعله في بني آدم. والله لألطمنك بالقلع حتى يبول القندلاوي على ساقيه، واشتهيت أن أعلم ما سبب ذلك، وغيظك عليّ تقدر أن تقول إنك ما كنت تقود إلى رفيقك، هذا في دار القوادة بجيرون في شهور سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، فلما سمعنا ذلك خرسنا وأبلسنا، وعلمنا أن الناقد البصير لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فرجعنا حينئذ إلى الملاطفة، وقلنا له سألناك بالله لا تعجل علينا، فنحن صائرون إليك بعد قليل، وما لنا عنك من محيص، فتركنا بعد الجهد، فدخلنا في غمار الناس، فقلت له: يا أخي قد طير هذا الجبّار عقولنا ومرّت لنا ساعة صعبة بسبب الولدان. اطلع بنا إلى جبل الأعراف نشرف منه على الموقف، ونتفرج منه على بساتين الجنان، فنستريح وترجع إلينا أرواحنا في ذلك المكان، فقلت لي: ولم قلت لأن يأسنا من الجنة أكثر من رجائنا فيها، ومتى رأينا أشجارها وأنهارها وفاتنا دخولها تضاعفت علينا الحسرات والأحزان، وعدم ذلك في التخيل خير من وجوده في العيان، وأنه يقال في المثل: عين لا ترى (٢) قلت: لا يرجع، فتحوّل منّي التفاتة فأرى أبا المجد بن عبد الحكيم عابرًا


(١) في المنامات: هذا المغربي.
(٢) بعده في المنامات: قلب لا يحزن.

<<  <  ج: ص:  >  >>