للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي يده رقعة حمراء مذهبة، وهو رائح بها يهرول فسلمنا عليه، وسألناه عن حاله، فقال: لولا ملازمة الصلاة كنت من الهالكين، فقال له: أين تريد، فقال: أردّ هذه الرقعة على صاحبها، فقلنا له، وأي شيء في الرقعة؟ ومن صاحبها؟ فقال: هذه الرقعة للمؤيد بن العميد بعثها معي إلى رضوان يطلب منه كمثرى سابوري ورمان ديبقي لا يوجد إلا في الجنة. ولقد لقيني أبو الحسن بن المنير (١) فخطف الرقعة من يدي، وقرأها وقال: هذه رقعة رجل دهان عارف بالأصباغ وإنزال الذهب، ولكنه جاهل بصناعة الكتابة ظاهر التكلف فيها يريد أن يتمم بعض الصناعة ويستر عوارها بالألوان المشرقة والأوراق المصبغة، والتذهيب الرائق، ومع هذا لا يجوز أن يكاتب بمثل هذه الرقاع إلا القحاب المتعاشقات والظراف والمتساحقات، فكن عاقلًا وردّها على صاحبها قبل أن تلطم على باب الجنّة عشرة آلاف زربول مثل هذا الملك الكريم على الله يخاطب في مثل هذه الرقاع، هذا طلائع بن رزيك (٢) مع سخافة عقله وسكره من خمرة الولاية فقال يومًا في مجلسه لما عرض عليه الشيرزي قصائد الشعراء والمكدين من أهل الشام وفي جملتها رقعة ابن العميد فيها سطر مكتوب بالأخضر اليانع وسطر بالأصفر الفاقع، وسطر بالأبيض الناصع في الورق الأحمر القاني، مطرز الجوانب بالذهب الإبريز، من صاحب هذه الرقعة يا زكي؟ فقال رجل من رؤساء دمشق ومقدميها أحذق الناس بالتزويق في الأوراق والتصحيف للألفاظ ومعرفة أصناف الفواكه والثمار، فقال له ابن رزيك: ما أدري ما تقول، غير أنك سلبته فضل الفضلاء ونسبته إلى الفلاحة والرعونة والجنون، ومع هذا فهي تدلّ على جهل قائلها ومهانته ألا ترى أن الناس يتوصلون إلى برنا بالفضل والبراعة، وتوصل هذا الرجل بلعب البنات وزخارف الصبيان، لو كتب هذا الكلام الذي في رقعته على فخذ خروف سمين وألقي في الطريق لأنفت الكلاب من أكله، ثم ناولها لبعض الفراشين وقال: ادفعها لجارك الفقاعي يلصقها على عتبة دكانه يستجلب بها الزبون، ثم التفت إلى الناس وقال: هؤلاء أهل الشام ورؤساء الدمشقيين. قال أبو المجد: أنا والله ما استجري أوصلها إلى رضوان بعد أن سمعت هذا الكلام، وأنا رائح أردها عليه، قلت له: ادفعها إلى أقربها بأخوتها، فإني قد حصلت من رقاعه إلى ملوك المصريين خمس رقاع، وبينا نحن في المحادثة


(١) أحمد بن منير، أبو الحسن، الطرابلسي، شاعر الشام أيام نور الدين، توفي بحلب سنة ٥٤٨ هـ، نشر ديوانه بتحقيق عبد السلام تدمري، انظر المقدمة.
(٢) أبو الغارات، طلائع بن رزيك، الملك الصالح، وزير مصر، من الفضلاء الشجعان، الأدباء الشعراء، أكثر شعره في مدح أهل البيت، توفي سنة ٥٥٦ هـ. ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٥٦٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>