عليها، وإذا بضجة عظيمة من جنبي المحشر والناس يهرعون نحوها مستبشرين فملنا جميعًا إليها، وإذا بحلقة بعيدة الأقطار، فيها من الأمم ما لا يحصى، كلهم يصفقون ويلعبون وثلاثة في وسطهم يرقصون إلى أن سمعوا ووقعوا إلى الأرض، فسألنا بعض أولئك الحاضرين عن الفرح وعن الثلاثة الذين يرقصون، فقال: أما الثلاثة فعبد الرحمن بن ملجم المرادي والشمرين ذي الجوشن والحجاج بن يوسف الثقفي (١) مجرمو هذه الأمة، وأما الفرح الذي ألهاهم عن توقع العقاب حتى رقصهم الطرب مع ما كانوا عليه من رجاحة العقل ونزاهة النفس فهو الطمع في رحمة الله بعد اليأس منها، والسبب في ذلك كون الباري ﷿ غفر للفقيه المجير والمهذب بن النقاش فخذوا رحمكم الله بحظكم من الفرح والسرور، فقلت له: وأي شيء ينالنا نحن من نجاة هذين الرجلين، ومن فوزهما بالرضوان، ونحن إلى الحزن أقرب منا للسرور، فقال: قد أجمع الناس أنه لم يولد في الإسلام مولود قط أرق من دين هذين الرجلين، ولا أقل خيرًا منهما، فإذا غُفر لهما فما عسى أن تكون ذنوب الحجاج وأصحابه في ذنوب هؤلاء، إن يكن ذلك إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، فقال: أبو المجد بن أبي الحكم: فالشعرة دنانير التي لك عند ابن النقاش، إلى متى تتركها له الحقها قبل أن يدخل الجنّة، فما ترجع تراه أبدًا، وأقوم وأعدو ملء فروجي وأنتم خلفي إلى أن انتهيت إلى جماعة كبيرة من الملائكة والناس وهم ينظرون إلي ويقولون هذا هو قد جاء، وأخالط ذلك الجمع وأتخللهم إلى صدر ذلك الملأ، وإذا بملك عظيم تقشعر من نظره الجلود، وتشمئز من طلعته النفوس، والمهذب ابن النقاش قائم بين يديه يكلمه بالعجمية وهو مقبل عليه بجملته، فلما أحس بي الملك قال: اذكر سعيدًا تراه. والتفت ابن النقاش وقال: اذكر الكلب واستعدّ له بهذا، أيش تعمل معي في ايشم الذهب الذي لك في ذمتي، قد عوّقوني عن دخول الجنّة لأجله، فقلت له: طيب والله طيب، وتبدو لهم إن شاء الله ويردوك إلى الجحيم، أريد الساعة آخذ من حسناتك بعشرة دنانير ما يساوي خمسة عشر دينارًا، ورح أنت إلى حيث شئت، فما أشعر إلا بضرطة عظيمة هائلة جاءت من خلفي طنت لها أكناف المحشر. فالتفت عن يساري، فإذا بجماعة من أصحابنا قيام يضحكون، فاتهمت بها الصفيّ بن كريم الملك، واغتظت عليه وتوعدته، فحلف أن ما صفّها لي إلا التاج بن أبي الصقر، فحردتُ واغتظت وقلت لكم: يا قوم هذا وقت المجون؟ فقال ابن أبي الصقر: نعم إذا رأينا واحدًا منحوسًا يطلب من ابن
(١) بعده في المنامات: والشيخ الكبير أبو مرة، فجار الخلائق وهم.