لي: قم وارجع إلى الملك قبّل يده وقل له قد تركت هذا المقدار لأجلك، فافعل ما تريد، فقالت الجماعة كلهم: هذا هو الصواب، انهض على بركة الله، فقمت معكم إلى الملك وحاللتُ الرجل من الذي عليه، ففرح بذلك عزرائيل، وقال: ما أقدر لك على مكافأة إلا أني أبشرك تعيش بعد المهذب عشر سنين بكل دينار سنة، فسررت بذلك ورضيت به وقمت وأنا له من الشاكرين، فقلت لي أنت بعد انفصالنا عنه: قد تعبنا يا فلان من المحاورة والوقوف واشتدّ بنا العطش والظمأ، هل لك في الحوض فمت عنده بالعلم والقرآن لعلهم يسقونا منه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، فقلت لك: سر بنا فتوجهنا نحوه، وابن بدر معنا، حتى إذا قربنا منه رأينا أبا القاسم الأعور وحوله جماعة من الأشراف، يندفون شعر رأسه بالدلاء والتواسيم (١) ويقولون: يا خنزير رح إلى يزيد بن معاوية يسقيك الماء، فوقفنا ساعة وأحجمنا عن الإقدام خوفًا من سوء الأدب، فوافانا تاج الدين الكندي (٢)، فجاء إلينا وسلّم علينا. فسألناه عن حاله فقال: لو اتبعت مذهب أئمة الحنابلة في التشبيه هلكت معهم، ولكني كنت أسرّ الأشعرية وأضمر التترية وقد وعدني الإمام الشهيد سيبويه بأن ينفعني إذا رآني عند الميزان، وأنتم ما لكم ما تتقدموا وتسلّموا على أمير المؤمنين وتأخذوا إذنه في الورود، قد أذن اليوم لجماعة من الأدباء أنحس منكم بكثير، ولعلكم خفتم مما وقع فيه قسيم الأعور (٣) من اللطام، فقلنا له: نعم، فقال: حاشاكم أنتم من هذا، كان قسيم رجلًا فضوليًا يكاشف الأشراف ويؤذيهم في كل مكان، فتقدمنا إلى أمير المؤمنين فوجدناه على شفير الحوض، وحوله جماعة من الهاشميين، كأن الشمس تطلع من وجوههم، والمقداد بن الأسود الكندي قائم على رأسه، في يده لواء أخضر من سندس الجنة منشور، ومنير الدولة يخاطبه في بني سرايا ويقول له: يا أمير المؤمنين ما كان ظننا بك هذا، فقال: ما أوبقكم وأوثق أمركم إلا معز بن حسن بكثرة ما رفع عليكم من العظائم، وإلا كنت قد خلصتكم من أول النهار.
فيقول له: حاتم [هو](٤) أخي يا أمير المؤمنين شتت شملنا في الدنيا، وأوبقنا في الآخرة، فهو الميشوم الطلعة في كل حين، فقال له (٥): والله يا أمير المؤمنين لتسمعن في صحيفة أعماله من الفضائح ما لم يسمع بمثله لمخلوق سواه، أقل ما فيها أنه أخذ
(١) في المنامات: بالمزادان والدلاء. (٢) في المنامات: الشيرازي. (٣) في المنامات: أبو القاسم الأعور. (٤) الزيادة عن المنامات. (٥) كذا في الأصل وفي المنامات: فيقول له جحا.