للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وينهى عنه أن أعين الدوي بإثمد المداد قد اكتحلت، ووجوه الصحف قد برقت أساريرها من آثار المساطر وتهللت، وألسنة الأقلام قد تهيأت لما تستنطق به وتبتلت، وكلها تنتظر ما يمليه مولانا على الملوك يطرز به حلل السيرة الشريفة، ويرقمها، وينضده في جيدها من عقود نصرها التي تنظمها، وسيملأ بها الهوامش والسطور، ويزيدها تبيانًا فتكون نورًا على نور، وحينئذ يكون المراد من جملة أعوان مولانا وأمداده ومن بعض نجده على العدو الذي أشبهه بسواده ويغدو أبيض الورق على نقيضه في السخومة، مستطيلًا كبعض أجناده، والله تعالى لا يعدم الإسلام صنعه الجميل ولا غزواته التي هي تارة في أول الفرات وآخر النيل.

ومنه قوله، من كتاب وصف فيه دخول سيس (١):

حتى انتهت إلى أوائل بلاد سيس، وهي البلاد التي جعلت أسوارها من الجبال الراسية، وخنادقها من الأودية الهاوية، تكاد الطيور المهومة تعثر بأوعارها، والرياح اللواقح تعتقل ذيولها بأحجارها، فما ارتاح المسلمون من قللها الراسخة، ولا لواقح سموم أو عارها النافخة، ولا أصدامها وتها فيها الصارخة، ولا تضايق دربنداتها الملاطخة، وطاروا بأجنحة النصر إلى أوكار تلك الهضاب، وأهووا إلى بلاد الطاغية الكفور، وإليه هوي الأجادل، وهبّوا إليه هبوب الرياح، وانصبّوا انصباب السيول من الجنادل، فما تركوا سائحةً إلا ساموها مرخصين ومرخصين، ولا ماشية إلا مشوا إليها متربصين لا متلصصين وأخذوا في تسوية وجوه تلك البقاع، وتغير معالم تلك الأوضاع، فما ضلت منزلة بهم من نازلة، ولا ضيعة من ضياع، ولما كان يوم الفلاني، عبأ التكفور خذله الله جنده، واستنفذ من الاستكثار ما عنده ومن عنده، وأتى في جموع كان في جملتهم اثنا عشر ملكًا، ومن الرجالة ما لا يحصى لهم عدد، ولا يحوط بكثرتهم أمد. فتنازعت إليهم الأبطال، وتسابقت إليهم الرجال، فاندفع اللعين منهزمًا حقيرًا، وانقلب مذمومًا مدحورًا، وأخذ صاحب سيس خذله الله أسيرًا، وقتل أخوه وجماعة من ملوك بيته بسيف الهوان، وأثر فيهم قرآن النصر الذي صاحبه بحمد الله ملك الزمان، وامتلأت الأرض بأشلاء أجسادهم الخبيثة، وأهلكت عساكرهم بهذه الحركات الحثيثة، وأصبحت ديارهم خاوية على عروشها، وأرواحهم محمولة من أجسادهم على نعوشها، وأولادهم في قبضة الاسترقاق أسارى، وحريمهم في يد الاستحياء حيارى، وأموالهم


(١) كان الظاهر قد دخل سيس سنة ٦٧٣ هـ وغنم من الماشية الشيء الكثير. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٦٨ وتاريخ ابن سباط ١/ ٤١٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>