تقتسمها الأيدي الزاهية، وتغتنمها العزائم العالية، وأخذ الله حقوق المملكة الحلبية ممن أساء لها الجوار، ودلّ على عوراتها التتار، وفرّ فلن ينفعه الفرار.
ومنه قوله:
وكانت المملكة الحمصية عروس الممالك التي تتحامى منعها الأيام، ودرّةً في عقد الممالك الإسلامية، وغرّةً في وجه الشام، وحصنًا كم فاضت نعماه، وكم حمى ساكنوه بساكن أرضه ﵁ حتى وساكنو حماة.
ومنه قوله من تقليد نائب:
وكانت دمشق عين الممالك اليمين، وجهة البلاد الواضحة الجبين. وقد شرفها الله بأن جعلها ذات قرار ومعين، وقد أصْبَحَتْ شامةً في وجه الشام، وأخضرت مراتع مرابعها فبدت كما يبدو العارض في سالف الأيام، وعدت في هذا الوقت منهض الجهاد، ومربض الآساد ومركض الجياد، ومطلع شمس الظفر ومهرع الفتح المبتدأ، ومكرع النجم المبتدر، وقد أمست باسمه باسمة الثغور ولحكمه واضحة السفور، وببيانه ما من أحد يسأل عنها وعنه إلا تلا: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (١).
ومنه قوله في فتح شقيف أرنون:
وحين وصلناه، وتراءى لنا وجهه سافرًا، وملأ لناظره من مرآة ناضرًا. رأينا منه حصنًا يُعدّ في إعداد النجوم، ويجرّ ذيل ارتفاعه في هام الغيوم، فهو يسكن من السماء في مناكبها، وينصرف بتصرفاته قلوب كواكبها، فيتدرّع ويطعن في السماك الرامح، وينظر بعين الطرف ويبطش بيد الذابح، ولا يزال يشير من دم معاديه بالكف الخضيب، ويرشق مراميه من قوس الرامي بسهم مصيب، إلا أنه كان يمتنع من صفد بجارٍ يُجير على الأيام، وصاحب يعتصم بجبله عند تواريه أي اعتصام، فكان العدوّ المخذول يصول منهما بيمين وشمال، ويبث منهما على مركبين يدينان له من مكائده كل بعيد المنال. فلما قطعت عن معاضده بأخذ صفد تلك اليمين، وفارقه قرينه، وأشدُّ الآلام مفارقة القرين، ظهر عليه من وحشة الوحدة من صدع شمله كل الانصداع، وبقي شمالًا لا يمين، وإنما تبطش اليدان بالاجتماع، وأقام بعدها بتماسك العليل على ما به من الداء، ويقوم على ضلعه قيام الضعيف على الرجل العرجاء، إلا أن فيه من عدو الله يشدُّ من متنه ويعزّه باعتصامه ومنعته، فأثبت في مستنقع الموت قدمه مجاذبًا، ولبس جلد النمر مراشقًا ومطاعنًا