للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومضاربًا، وأعطى حصنه عهدًا لا يزول إلا بزواله، ولا ينزل إلا مع أحجاره وإن طالت مدة نزاله، فلما رأينا أن معضل دائهم لا يُحسم إلا بالكي، وأن مريد شيطانهم لا يرده الإرشاد عن الغي، وكلنا بها من المجانيق ما ينقض العهود، ويفسخ العقود، ويقطع بأسباب اتصاله بين كل ودود و مودود، فزاحمت بمناكبها مرتفع مناكبه. ودبّت إليه عقارب من جميع جوانبه، وساورته من حبالها بأفاع لا تقبل الرّقا، ولا يطمع من نفثها في البقا، وحتى لاقت حصنًا وإن تمنّع مرتفعًا غادرته لقا، فلم يزل به حت تركت سلم بنانه فلسعها عن السليم - وقضت عليه أن يدخل لتسليمه كرهًا بغير تسليم.

ومنه قوله (١) من تقليد الأشرف (٢) بن المنصور قلاوون:

الحمد لله الذي لم يزل له السمع والطاعة، فيما أمر، والشكر والرضا (٣) فيما هدم من الأعمار وما عمر، والتفويض في التعويض إذ غابت الشمس وبقي القمر، نحمده على أن جعل سلطاننا ثابت الأركان، نابت الأغصان (٤)، كل روضة (٥) من رياضه ذات أفنان، لا تزعزعه ريح عقيم، ولا يخرجه رزء عظيم عن الرضا والتسليم، ولا يُعتبط من رحمة كريم، إلا ويغتبط من أسرته بكريم، ونشهد أن لا إله إلا الله. وحده لا شريك له، شهادة تزيد قائلها تفويضًا، وتجزل له تعويضًا، وتحسّ له على الصبر في كل خطب (٦) تحريضًا. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي أنزل في التسلية به (٧) «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل» (٨) والنبي الذي أوضح الله به (٩) المناهج وبين (١٠) السبل، صلّى الله عليه وعلى آله (١١) ما تجاوبت المحابر والمنابر، وتناوبت البكر (١٢) والأصل، وما بدت (١٣) عقود ونظمت، ونسخت آيات وأحكمت، ونقضت.


(١) صبح الأعشى ١/ ١٦٦.
(٢) خليل بن قلاوون الصالحي، الملك الأشرف صلاح الدين بن السلطان الملك المنصور، ملك مصر بعد وفاة أبيه سنة ٦٨٩ هـ، فقصد بلاد الشام واستعاد من الإفرنج عكا وصور وصيدا وبيروت وجميع الساحل، قتله بمصر بعض المماليك سنة ٦٩٣ هـ. انظر: فوات الوفيات ١/ ١٥١ والنجوم الزاهرة ٨/ ٣ والاعلام ٢/ ٣٢١.
(٣) في صبح الأعشى: الرضا والشكر.
(٤) نابت الأغصان: ليست في صبح الأعشى.
(٥) روضة: مكررة في الأصل.
(٦) صبح الأعشى: صبر جميل في كل خطب جليل.
(٧) في صبح الأعشى: التسليم.
(٨) آل عمران: ١٤٤.
(٩) صبح الأعشى: أوضح به.
(١٠) صبح الأعشى: بين به.
(١١) صبح الأعشى: آله وأصحابه.
(١٢) صبح الأعشى: في البكر والأصل.
(١٣) صبح الأعشى: نثرت.

<<  <  ج: ص:  >  >>